الحشيش، وقد يلقى مَن لا يطعمه، ويتعرَّض بمن لا يضيّفه، وتفوته الجماعة قطعًا، وقد يموت ولا يليه أحد. أي لا يلي أمر تلقينه وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه .. إلخ.
ثم قد ذكرنا ما جاء في الوحدة (أي من النهي) ، ثم ما المخرج إلى المحن، إن كان يعتمد فيها على عادة أو لقاء شخص والاجتزاء بالحشيش؟ ومن فعل هذا من السَّلَف؟ وكأن هؤلاء القوم يجزمون على الله سبحانه: هل يرزقهم في البادية؟ ومَن طلب الطعام في البرية فقد طلب ما لم تجر به العادة. ألا ترى أن قوم موسى عليه الصلاة والسلام لما سألوا من بقلها وقثَّائها وفومها وعدسها وبصلها، أوحى الله إلى موسى أن {اهْبِطُوا مِصْرًا} [البقرة: 61] وذلك أن الذي طلبوه في الأمصار، فهؤلاء القوم على غاية الخطأ في مخالفة الشرع والعقل والعمل بموافقات النفس" (1) ."
وممن دخل هذه المعركة بقوة: المحقق ابن القيم، وذلك في شرحه لمنازل الهروي، الذي وصف الدرجة الثانية للتوكل بأنها"التوكل مع إسقاط الطلب، وغض العين عن السبب، اجتهادًا في تصحيح التوكل".
معناه: أنه يعرض عن الاشتغال بالسبب، لتصحيح التوكل بامتحان النفس.
قال:"وهذا الذي أشار إليه، مذهب قوم من العُبَّاد والسالكين، وكثير منهم كان يدخل البادية بلا زاد، ويرى حمل الزاد قدحًا في التوكل. ولهم في ذلك حكايات مشهورة، وهؤلاء في خفارة صدقهم، وإلا فدرجتهم ناقصة عن العارفين، ومع هذا فلا يمكن بشرًا ألبتة ترك الأسباب جملة."
(1) "تلبيس إبليس"ص 301.