هذه الأدبيات"المخدِّرة"هي القوت اليومي لعقول العوام في ديار الإسلام، وكانت من أسباب التخلف الذي جعل المسلمين في مؤخرة الأمم، وقد كانوا في طليعة قافلة الحضارة عدة قرون.
ومن المؤسف: أن نجد في عصور التخلف -التي تراجع فيها الفكر الإسلامي الصحيح، ليحل محله الفكر الخرافي، أو الفكر المنحرف- قد ترعرعت في الجو الديني -الشعبي خاصة- أفكار وأفهام غير صحيحة ولا مستقيمة مع منهج الإسلام الكلي، ولا مع أدلته الجزئية، ولا مع مقاصده الشرعية، واتخذ منها خصوم الاتجاه الإسلامي تكأة للطعن في الإسلام نفسه، وفي كل دعوة تنادي بالرجوع إليه عقيدة وحضارة ومنهاج حياة.
ومن ذلك: اعتبار"الزهد"رفضًا للدنيا. واعتبار"التوكل"رفضًا للأسباب، اعتمادًا على شبهات واهية، اعتبروها أدلة مُحْكمة، لأن الصوفية استدلوا بها.
فقد استدلوا هنا بموقف الخليل إبراهيم حين أُلقي في النار، فسأله جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا! فاعتبروا هذا إعراضًا عن الأسباب. والحق أن هذه القصة لم يصح بها سند (1) ، ولو صحَّت فالواضح: أن الأسباب هنا قد انقطعت، ولم يبق إلا الله وحده، وتوسيط جبريل هنا لا ضرورة له، فعلمه تعالى بحال الخليل، يغني عن توسيط جبريل، وكفى الخليل عليه الصلاة والسلام أنه لم يفتأ -منذ أُلقي في النار- يقول: حسبي الله ونِعم الوكيل. وهذا ما جاء في الصحيح عن ابن عباس.
واستدلوا بموقف آخر للخليل - عليه السلام -، حين ترك هاجر وابنها إسماعيل بوادٍ غير ذي زرع، وترك عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء،
(1) رواه الطبري في تفسيره (17/ 45) من طريق معتمر بن سليمان التيمي عن بعض الصحابة.