فلما تبعته هاجر، وقالت له: إلى مَن تدعنا؟ قال: إلى الله. قالت: رضيتُ بالله (1) ، وهذا كان يفعله بأمر الله ووحيه، كما قال الحافظ ابن رجب (2) .
وفي رواية لهذه القصة في البخاري: أن إبراهيم حين ترك أُم إسماعيل وابنها وقفّى منطلقًا، تبعته، فقالت: يا إبراهيم؛ أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيّعنا. ثم رجعت (3) . وما كان بأمر الله ووحيه، يجب أن يُطاع تعبدًا، ولو لم يُعرف معناه ووجهه. كأفعال الخضر - عليه السلام -. ولكن لا يُقاس عليها. فلو أن رجلًا وضع امرأته وطفلها الرضيع في برية وتركهما، لكان مسيئًا.
واستدلوا بما ذكرنا قبل من حديث: «لَرَزَقَكُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا» (4) وقد نبهنا من قبل إلى ما ذكره الإمام أحمد وغيره: أن في الحديث إشارة إلى السعي والتسبب.
وقال بعض العلماء: إنه سعي، ولكنه سعي يسير، والسعي اليسير لا ينافي التوكل. والحق أنه السعي الممكن لهذه الطير، فليس عندها سعي أكثر منه، فكل ما تملكه هو الغدو والانتشار. وبعضها يطير مسافات طويلة من أجل رزقه.
(1) رواه البخاري في كتاب الأنبياء عن ابن عباس موقوفا. وفيه بعض كلمات مرفوعة [3365] . وقال ابن كثير في"البداية والنهاية" (1/ 156 - طبع بيروت) : وفي بعضه غرابة، وكأنه مما تلقاه ابن عباس عن الإسرائيليات.
(2) انظر:"جامع العلوم والحكم" (2/ 503) - طبع الرسالة، بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط.
(3) هذه الرواية في البخاري أيضا عن ابن عباس برقم [3364] .
(4) سبق تخريجه. انظر صفحة 16 من هذا الكتاب.