فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 122

واستدلوا ببعض الأقيسة الفاسدة التي ذكرها بعض الشعراء، كقول القائل:

جرى قلم القضاء بما يكون ... فسيّان التحرك والسكون

جنون منك أن تسعى لرزق ... ويرزق في غشاوته الجنين!

وهذا الكلام باطل مردود. فإن جريان قلم القضاء بما يكون، لا يقتضي التسوية بين الحركة والسكون. فإن مما جرى به قلم القضاء أن في الحركة بركة، وأن في الجمود هلكة، وأن من جدَّ وجد ومن زرع حصد، وأن قلم القضاء كما يجري بالمسببات يجري بأسبابها.

وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأدوية والأسباب والتقاة: هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: (هي من قدر الله) . وهذا الجواب من روائع الكلم النبوي الذي يجب أن يُعلَّم للناس ويُشاع بين المسلمين. وهو: أن نرد قدر الله بقدر الله، كما في هذا الحديث. ونفر من قدر الله إلى قدر الله. كما قال عمر. وندفع الأقدار بعضها ببعض، كما نقل ابن تيمية عن الشيخ عبد القادر الجيلاني: ليس الرجل من يستسلم للقدر، إنما الرجل من ينازع القدر بالقدر!

وأما جعله السعي للرزق جنونًا، فهو اتهام لكثير من الأنبياء -مثل سيدنا داود وسيدنا موسى، وسيدنا رسول الله- وللصحابة الكرام، وللعلماء الأعلام، الذين اشتهروا بحرفهم مثل: الخصَّاف والقفَّال والبزَّار والبزَّاز والجصَّاص، وأمثالهم - اتهام هؤلاء جميعًا بالجنون، وهذا لا يقوله إلا مجنون!

وقوله: ويرزق في غشاوته الجنين، يعني قياس الإنسان البالغ القادر الراشد على الجنين في بطن أمه، وهو قياس فاسد، لأن حكمة الله اقتضت أن يهيئ للجنين رزقه بغير كسبه ولا اختياره، حيث لا قُدرة له، وبعد ولادته هيأ الله له اللَّبن في ثدي أمه، فلا يدخل إلى جوفه إلا بحركة منه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت