لأنفسهم حالًا أكمل من حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، إذ لم يكن فيهم أحد قط يفعل ذلك، ولا أخلَّ بشيء من الأسباب. وقد ظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين درعين يوم أُحُد. ولم يحضر الصف قط عريانًا. كما يفعله من لا علم عنده ولا معرفة. واستأجر دليلًا مشركًا على دين قومه، يدله على طريق الهجرة. وقد هدى الله به العالمين، وعصمه من الناس أجمعين. وكان يدخر لأهله قوت سنة، وهو سيد المتوكلين. وكان إذا سافر في جهاد أو حَجٍّ، أو عُمرة حمل الزاد والمزاد، وجميع أصحابه، وهم أولو التوكل حقًا. وأكمل المتوكلين بعدهم: هو من اشتم رائحة توكلهم من مسيرة بعيدة، أو لحق أثرًا من غبارهم. فحال النبي - صلى الله عليه وسلم - وحال أصحابه محك الأحوال وميزانها، بها يعلم صحيحها من سقيمها. فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم من بعدهم. فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب، وأن يُعبد الله في جميع البلاد، وان يوحِّده جميع العباد، وان تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد، فملؤا بذلك التوكل القلوب هدى وإيمانًا، وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان، وهبَّت رياح روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقينًا وإيمانًا، فكانت همم الصحابة - - رضي الله عنه - م- أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعي، فيجعله نصب عينيه، ويحمل عليه قوى توكله" (1) ."
ثم هنا أمر مهم أغفله الصوفية الذين اعتقدوا التكسب والاحتراف منافيًا للتوكل، هذا الأمر هو: مراعاة مقاصد الشرع من المكلَّفين من نوع البشر.