ومع ذلك روى القشيري - رحمه الله - حكايات كثيرة عن عدد من مشايخ الصوفية، تركوا الأسباب، بل رفضوها عمدًا، ودخلوا البادية المقفرة من غير زاد، متوكلين على الله تعالى، منكرين على مَن يتعلق بسبب، في أي وجه، وأية صورة.
ونقل الإمام الغزالي هذه الحكايات في كتابه"منهاج العابدين"لتكون نموذجًا يُحتذى للسائرين المريدين للآخرة، والسالكين للطريق إلى الله تعالى. كما ذكرها في"الإحياء"محاولًا تبريرها.
يقول بعضهم: حججتُ أربع عشرة حَجَّة، حافيًا، على التوكل. فكان يدخل في رجلي شوكة، فأذكر أني قد اعتقدت على نفسي التوكل، فأحكها في الأرض وأمشي!
يعني أنه يرى إخراج الشوكة المؤذية من رجله مناقضًا للتوكل الذي اعتقده.
ويقول آخر: إني لأستحي من الله أن أدخل البادية وأنا شبعان، وقد اعتقدت التوكل (أي عزمت عليه) لئلا يكون شبعي زادًا أتزود به!
وقال آخر: دخلت البادية مرة بغير زاد، فأصابتني فاقة، فرأيت المرحلة (القرية أو محطة الاستراحة) من بعيد فسررتُ بأني قد وصلت، ثم فكرت في نفسي: أني سكنت واتكلت على غيره تعالى، فآليت ألا أدخل المرحلة، حتى أُحمَل إليها. فحفرت لنفسي في الرمل حفرة، وواريت جسدي فيها إلى صدري! فسمعوا صوتًا في نصف الليل عاليًا يقول: يا أهل البادية؛ إن لله تعالى وليًا حبس نفسه في هذا الرمل فالحقوه .. فجاءني جماعة فأخرجوني وحملوني إلى القرية!
ومثل ذلك: من وقع في بئر فنازعته نفسه أن يستغيث، فقال: أراد الله ألا أستغيث .. ومر رجلان، فقال أحدهما للآخر: تعال نسد رأس هذه