-يُراد تدوينه وتسجيله، ليعرف منه عليه الصلاة والسلام مقدار القوة البشرية الضاربة التي يستطيع أن يواجه بها أعداءه المتربصين به، وما أكثرهم.
كما أن من سيرته وسُنَّته - صلى الله عليه وسلم - التخطيط للمستقبل، وإعداد العدة للغد، كما بيَّنا ذلك بأدلته في كتبنا من قبل (1) .
كما بينا أن ذلك لا يناقض مبدأ التوكل على الله تعالى.
وليست هذه سُنَّة محمد -عليه الصلاة والسلام- وحده، بل هي سُنَّة رُسُل الله وأنبيائه من قبله، كما هو بيِّن من قصص القرآن عنهم.
فهذا نوح - عليه السلام - يصنع الفلك كما أمره الله تعالى: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا) (هود: 37) لتكون أداة الإنقاذ له ولمن آمن معه إذا جاء الطوفان، وكان في قُدرَة الله أن يحجز الماء عنه، وعمن معه، أو يحملهم فوق الماء بغير سفينة، ولكن الله أراد أن يُعلِّمنا أن قدرته تعمل من خلال الأسباب التي أوجدها أيضًا. قال تعالى عن نوح: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ. فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ. وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ. تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر: 10 - 14] .
وهذا يعقوب - عليه السلام - يقول ليوسف بعد أن ذكر له رؤياه: {يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يوسف: 5] ، ونراه بعد ذلك يخاف على بنيه عند توجههم إلى مصر، فيوصيهم قائلا: يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ
(1) انظر على سبيل المثال كتابنا:"الرسول والعلم"ص 43 - 48 طبع مؤسسة الرسالة، بيروت، ودار الصحوة، مصر.