خِمَاصًا، وَتَرُوْحُ بِطَانًا» (1) ، وفيه إشارة إلى التسبب، لأنه لم يضمن لها الرواح بطانًا، إلا بعد أن غدت خماصًا، والغدو حركة وانتشار.
وأحاديثه عليه الصلاة والسلام - في الدعوة إلى العمل والكسب الحلال، عن طريق الزرع والغرس، والصناعة والتجارة والاحتراف - ولو بالاحتطاب - كثيرة وشهيرة. وحسبنا منها قوله: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (2) ، وحديثه الآخر: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا، فَلْيَغْرِسْهَا» (3) .
وقد رأيناه - صلى الله عليه وسلم - يعد العدة، ويهيئ الأسباب في غزواته وسراياه، ويتخذ الاحتياطات اللازمة لسلامة جيشه، والمحافظة على جنوده، ويبعث العيون والطلائع لمعرفة أخبار الأعداء، والتعرف على نقاط الضعف عندهم. وهذا بيِّن لمن قرأ سيرته، ودرس مغازيه - صلى الله عليه وسلم -.
ومن روائع ما قرأناه في سُنَّته وسيرته - صلى الله عليه وسلم - في الأخذ بالأسباب: استخدامه"أُسلوب الإحصاء"منذ وقت مبكر من إقامة الدولة الإسلامية، أي بعد الهجرة إلى المدينة. فقد روى البخاري (4) ومسلم عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الْإِسْلَامَ» (5) حتى لفظة"الإحصاء"استعملها.
وفي رواية للبخاري في صحيحه (6) أنه قال: «اكْتُبُوا لِي مَنْ تَلَفَّظَ بِالإِسْلاَمِ مِنَ النَّاسِ» . قَالَ حُذَيْفَةُ: فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفًا وَخَمْسَ مِائَةِ رَجُلٍ. ويبدو أن إحصاء الرجال القادرين على حمل السلاح كان هو المقصود بالقصد الأول.
فهو ليس إذن عدًا شفهيًا. بل هو إحصاء كتابي -لقوله: «اكْتُبُوا لِي»
(1) سبق تخريجه. انظر صفحة 16 من هذا الكتاب.
(2) رواه البخاري عن المقدام.
(3) رواه أحمد والبخاري في"الأدب المفرد"عن أنس بسند صحيح.
(4) ليس في"صحيح البخاري"لفظ الإحصاء، بل الوارد في"صحيح البخاري"لفظ «اكْتُبُوا لِي» كما في الهامش رقم 6 تحتُ.
(5) رواه ومسلم [149] .
(6) صحيح البخاري [3060] .