ويقولون: نحن المتوكلون! فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: {وَتَزَوَّدُوا ... } الآية (1) .
ومَن نظر في حال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم وهم خير قرون هذه الأمة وأفضل أجيالها - وجدهم يكدحون ويعملون لمعاشهم، ولم ينقص ذلك من توكلهم على الله تعالى.
كان المهاجرون في مجموعهم أهل تجارة، وكان الأنصار أهل زرع.
ولما عرض سعد بن الربيع الأنصاري على عبد الرحمن بن عوف أن يقاسمه ماله وداره وأهله، قال له: بارك الله لك في مالك وأهلك ودارك إنما أنا امرؤ تاجر، فدلوني على السوق!
وعمر بن الخطاب يقول بعد سماع حديث الاستئذان ثلاثًا من أبي موسى الأشعري، وشهادة أبي سعيد الخدري بتأكيده: ألهاني عنه الصفق بالأسواق.
وأبو بكر، حينما بويع بالخلافة، أراد يذهب إلى السوق - على عادته - يقتات لأهله، ويتجر ليكسب لهم ما يكفيهم. وهذا - كما يقول أبو طالب المكي - في أتم أحواله، حين أُهِّل للخلافة وأقيم مقامة النبوة، حتى اجتمع المسلمون، فكرهوا له ذلك، فقال: لا تشغلوني عن عيالي، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع، حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين، لا وكس ولا شطط (2) .
وقال معاوية بن قرة: لقي عمر بن الخطاب ناسًا من أهل اليمن، فقال:
(1) رواه البخاري في"الحج". الحديث برقم [1523] ، وأبو داود [1730] ، والنسائي، وابن حبان في صحيحه. انظر: ابن كثير (1/ 238 - 239) ، والفتح (3/ 384) .
(2) انظر:"قوت القلوب"لأبي طالب المكي (2/ 17) .