وهو: أن يلتقم الثدي ويمتص منه بفمه، وبعد أن تظهر له سن تقطع يُطلب منه أن يأكل. فأين هذا مما يقول الشاعر المخلِّط؟!
إنما تُذَم الأسباب إذا تعلَّق القلب بها وحدها، وجعل كل اعتماده عليها، ونسي مسببها وخالقها، وجهل أن الأسباب لا تعمل وحدها، فربما أهمل سببًا بعيدًا أو خفيًا، أو أغفل شرطًا لازمًا، أو كان هناك مانع قوي يعوق سببه ويبطل تأثيره. فإنه إذا بذر الحبة في الأرض الخصبة، وتعهدها بالري والتسميد ونحو ذلك، لا يملك تعهد البذرة في أعماق التربة، ولا يملك تصريف الرياح ودرجات الحرارة والبرودة التي تؤثر فيها، ولا الآفات السماوية التي يمكن أن تحيق بها، فلا يملك المؤمن هنا إلا أن يقول بعد سببه واجتهاده: بذر الحب، ونرجو الثمر من الرب.
وقد ذكر القرآن لنا نموذجًا من الاعتماد على الأسباب الظاهرة وحدها، فإذا هي لا تحقق نتائجها وذلك في قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25] .
لقد خذلوا وهم كثرة، حيث غرَّهم الكم، وأذهلهم عن التوكل، فلم يغن الكم الكثير شيئًا. على حين انتصروا وهم قلة، إذ كان اعتمادهم على الله وحده، بعد أن بذلوا ما استطاعوا.