إذا كان للتوكل كل هذا الفضل، ولأهليه كل هذا الحمد والثناء من الله ورسوله، فإن السؤال الذي يلح هنا، هو: ما حقيقة هذا التوكل، وما حده وما معناه؟
إن توضيح المفهوم هنا وتحديده بدقة أمر ضروري، لمن يريد أن يتخلَّق بهذا الخُلُق، ويتحقق بهذا الوصف، وإلا حسب كثير من الناس أنفسهم متوكلين، وما هم من التوكل في شيء، و ألزموا أنفسهم، - لكي يتحلوا بالتوكل - ما لم يُلزمهم الله به.
وإذا رجعنا إلى أرباب السلوك، وجدنا عباراتهم تختلف في بيان حقيقته، على عادتهم في مثل هذه التعريفات، فقلَّما تكون جامعة مانعة، لأن كل واحد منهم يُعبِّر عن حاله، أو يراعى حال من يخاطبه.
ذكر القشيري في"رسالته"عدة تعريفات ذكرها القوم، ونقلها ابن القيم في"مدارجه"وعلَّق عليها تعليقًا حسنًا، يحسن بنا أن نورد أهمه هنا. قال:
قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب. ومعنى ذلك: أنه عمل قلبي. ليس بقول اللِّسان، ولا عمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإدراكات.
ومن الناس: من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول: هو علم القلب بكفاية الرب للعبد.