لكل عمل - من أعمال القلوب أو الجوارح - بواعث تدفع إليه، وتحض عليه. ومما يبعث على التوكل، ويعين عليه جملة أمور:
أولها: حُسن معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا. فمن عرف ربه رحمانًا رحيمًا، عزيزًا حكيمًا، سميعًا عليمًا، حيًا قيومًا، غنيًا حميدًا، خبيرًا بصيرًا، قهارًا قديرًا، رزاقًا ذا قوة متينًا، لا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء، فعالًا لما يريد، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وجد نفسه مدفوعًا إلى الاستناد إليه، والتوكل عليه.
ولذا نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية - رضي الله عنه - ما: أن التوكل لا يصح ولا يتصور من فيلسوف (1) ، ولا من القدرية النفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم أيضًا من الجهمية النفاة لصفات الرب جل جلاله، ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات.
فأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه؟ ولا هو فاعل باختياره، ولا له إرادة ومشيئة، ولا يقوم به صفة. فكل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف، كان توكله أصح، وأقوى (2) .
(1) مثل أرسطو الذي يرى أن الإله لا يعلم عن الكون شيئا، ولا يدبر فيه أمرا!
(2) انظر:"مدارج السالكين" (2/ 118) طبع السنة المحمدية.