ومن ثم كان التوكل من خصائص دين التوحيد، المتجسد في دين المسلمين، الذي تميز بإثبات صفات الكمال المطلق لله تعالى من العلم والحكمة، والمشيئة والقدرة، والغنى والرحمة، والحيان والقيومية، وسائر الكمالات الإلهية. بخلاف غيرهم -كالغربيين- الذين يرون أن الله خلق العالم أزلًا ثم تركه يسير بالنواميس، ولم يعد يدبر فيه أمرًا!
أما عندنا -نحن المسلمين- فالملك كله بيد الله، وتحت سلطانه، يبسط ويقبض، ويعطى ويمنع، ويخفض ويرفع، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه.
فكلما قويت معرفة المرء بربه، وقدره حق قدره، وتجلت له معاني أسمائه وصفاته، قوي اعتصامه به، واعتماده عليه، وكان له نعم الوكيل، ونعم المولى، ونعم النصير.
ولهذا نجد القرآن يربط التوكل بعدد من أسماء الله الحسنى، لما لها من إيحاء ودلالة وتأثير.
أكثرها وأعظمها: لفظ الجلالة وهو الاسم الجامع لكل الكمالات: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159] ، {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} [المائدة: 22] ، {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [الأعراف: 89] .
ومنها: اسم"الرحمن"منفردًا: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [الملك: 29] ، واسم"الرحيم"مقرونًا بغيره: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} [الشعراء: 217] والرحمن الرحيم لا تضيق رحمته الواسعة بمن لجأ إليه واعتمد عليه.
ومنها: اسم"العزيز"مقرونا بغيره كالرحيم والحكيم: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49] .. عزيز: أي لا يذل من لاذ بجنابه وأوى إلى حماه، حكيم: لا يضيع من وثق بحسن تدبيره لمن تولاه.