فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 122

فهذا إبراهيم الخوَّاص كان مجردًا في التوكل يدقق فيه، ويدخل البادية بغير زاد. وكان لا تفارقه الإبرة والخيط والركوة والمقراض. فقيل له: لِمَ تحمل هذا، وأنت تمنع من كل شيء؟ فقال: مثل هذا لا ينقص من التوكل، لأن لله علينا فرائض. والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد، فربما تخرَّق ثوبه. فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته، فتفسد عليه صلاته. وإذا لم يكن معه ركوة فسدت عليه طهارته. وإذا رأيتَ الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته.

أفلا تراه لم يستقم له دينه إلا بالأسباب؟ أو ليست حركة أقدامه ونقلها في الطريق والاستدلال على أعلامها -إذا خفيت عليه- من الأسباب؟

فالتجرد من الأسباب جملة ممتنع عقلًا وشرعًا وحسًا.

نعم .. قد تعرض للصادق أحيانًا قوة ثقة بالله. وحال مع الله تحمله على ترك كل سبب مفروض عليه. كما تحمله على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة. ويكون ذلك الوقت بالله لا به. فيأتيه مدد من الله على مقتضى حاله. ولكن لا تدوم له هذه الحال. وليست في مقتضى الطبيعة. فإنها كانت هجمة هجمت عليه بلا استدعاء فحُمل عليها. فإذا استدعى مثلها وتكلَّفها لم يُجَب إلى ذلك. وفي تلك الحال: إذا ترك السبب يكون معذورًا لقوة الوارد، وعجزه عن الاشتغال بالسبب. فيكون في وارده عون له، ويكون حاملًا له. فإذا أراد تعاطي تلك الحال بدون ذلك الوارد وقع في المحال.

وكل تلك الحكايات الصحيحة التي تُحكَى عن القوم، فهي جزئية حصلت لهم أحيانًا، ليست طريقًا مأمورًا بسلوكها، ولا مقدورة، وصارت فتنة لطائفتين:

طائفة ظنتها طريقًا ومقامًا، فعملوا عليها، فمنهم من انقطع. ومنهم من رجع ولم يمكنه الاستمرار عليها، بل انقلب على عقبيه.

وطائفة قدحوا في أربابها، وجعلوهم مخالفين للشرع والعقل، مدَّعين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت