وقال الإمام أبو جعفر الطبري:"قيل: لا يستحق التوكل إلا مَن لم يخالط قلبه خوف من شيء ألبتة، حتى السبع الضاري، والعدو العادي، ولا مَن لم يسع في طلب رزق أو مداواة ألم! والحق أن مَن وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب، اتباعًا لسُنَّته (تعالى) وسُنَّة رسوله، فقد ظاهر - صلى الله عليه وسلم - في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشِّعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال للذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ قال: (اعقلها وتوكل) ، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل" (1) .
وممن نقد الصوفية في مسلكهم هذا نقدًا موضوعيًا، وإن لم يخل من حرارة وشدة: الإمام أبو الفرج بن الجوزي في كتابه الشهير"تلبيس إبليس". فقد ذكر حكاياتهم، وعقَّب عليها بالرد في ضوء الأصول الشرعية.
نقل - رحمه الله - عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: لو توكلنا على الله تعالى ما بنينا الحيطان، ولا جعلنا لباب الدار غلقًا مخافة اللصوص.
وعن ذي النون المصري أنه قال: سافرتُ سنين وما صحَّ لي التوكل إلا وقتًا واحدًا: ركبتُ البحر فكسر المركب، فتعلقت بخشبة من خشب المركب فقالت لي نفسي: إن حكم الله عليك بالغرق فما تنفعك هذه الخشبة؟ فخليت الخشبة، وقطعت على الماء، فوقعت على الساحل!
(1) نقله الحافظ ابن حجر في"الفتح" (10/ 212) طبع دار الفكر المصورة عن السلفية.