أخبرنا محمد قال: سألت أبا يعقوب الزيَّات عن مسألة في التوكل، فأخرج درهمًا كان عنده ثم أجابني، فأعطى التوكل حقه، ثم قال: استحييت أن أجيبك وعندي شيء.
وعلَّق ابن الجوزي على ذلك فقال: قلة العلم أوجبت هذا التخليط. ولو عرفوا ماهِّيَة التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد. وذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده، وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب، ولا ادخار المال. فقد قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] أي قوامًا لأبدانكم. وقال - صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحِ مَعَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ» (1) ، وقال - صلى الله عليه وسلم - «إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» (2) .
قال: واعلم أن الذي أمر بالتوكل أمر بأخذ الحذر فقال: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71] ، وقال: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] ، وقال: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا} [الدخان: 23] ، وقد ظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين درعين، وشاور طبيبين، واختفى في الغار. وقال: «مَنْ يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ» ؟ وأمر بغلق الباب (3) . وفي الصحيحين من حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَغْلِقْ بَابَكَ» . وقد أخبرنا أن التوكل لا ينافي الاحتراز (أي في قوله: «اِعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» .
(1) رواه أحمد عن عمرو بن العاص (4/ 202) ، والبخاري في"الأدب المفرد" [299] ، والحاكم (2/ 236) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وابن حبان في صحيحه"الإحسان" [3210، 3211] وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح (4/ 64) .
(2) متفق عليه من حديث سعد بن أبي وقاص.
(3) في الحديث: «أَغْلِقُوا أَبْوَابَكُمْ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ - (أي: غطّوها) -، وَأَوْكُوا أَسْقِيَتَكُمْ - (أي: اربطوا أفواه القِرَب) -، وَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ» رواه مسلم [2012] وغيره من حديث جابر، ورواه الترمذي وصححه من حديث أنس [1812] .