وقال الإمام ابن عقيل:"يظن أقوام أن الاحتياط والاحتراز ينافي التوكل. وأن التوكل هو إهمال العواقب وإطراح التحفظ، وذلك عند العلماء هو العجز والتفريط، الذي يقتضي من العقلاء التوبيخ والتهجين، ولم يأمر الله بالتوكل إلا بعد التحرز واستفراغ الوسع في التحفظ. فقال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159] ، فلو كان التعلق بالاحتياط قادحًا في التوكل لما خص الله به نبيه حين قال له: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} وهل المشاورة إلا استفادة الرأي الذي منه يؤخذ التحفظ والتحرز من العدو؟ ولم يقنع في الاحتياط بأن يكله إلى رأيهم واجتهادهم، حتى نص عليه، وجعله عملًا في نفس الصلاة وهي أخص العبادات. فقال: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] ، وبيَّن عِلَّة ذلك بقوله تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: 102] ، ومن علم أن الاحتياط هكذا لا يقال: إن التوكل عليه ترك ما علم. لكن التوكل التفويض فيما لا وسع فيه ولا طاقة. قال عليه الصلاة والسلام: (اعقلها وتوكل) . ولو كان التوكل ترك التحرز لخص به خير الخلق - صلى الله عليه وسلم - في خير الأحوال، وهي حالة الصلاة. وقد ذهب الشافعي - رحمه الله - إلى وجوب حمل السلاح حينئذ لقوله: (وليأخذوا أسلحتهم) ، فالتوكل لا يمنع من الاحتياط والاحتراز، فإن موسى - عليه السلام - لما قيل له: {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} [القصص: 20] خرج. ونبينا - صلى الله عليه وسلم - خرج من مكة لخوفه من المتآمرين عليه، ووقاه أبو بكر - رضي الله عنه - بسد أثقاب الغار. وأعطى القوم التحرز حقه، ثم توكلوا، وقال عزَّ وجلَّ في باب الاحتياط: {لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ} [يوسف: 5] وقال: {لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ} [يوسف: 67] ، وقال: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} [الملك: 15] وهذا لأن"