فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 122

الحركة للذَبِّ عن النفس استعمال لنعمة الله تعالى. وكما أن الله تعالى يريد إظهار نعمه المبداة، يريد إظهار ودائعه، فلا وجه لتعطيل ما أودع، اعتمادًا على ما جاد به. لكن يجب استعمال ما عندك ثم اطلب ما عنده.

وقد جعل الله تعالى للطير والبهائم عُدّة وأسلحة تدفع عنها الشرور، كالمِخلب والظُّفر والناب، وخلق للآدمي عقلًا يقوده إلى حمل الأسلحة، ويهديه إلى التحصين بالأبنية والدروع. ومَن عَطَّل نعمة الله تعالى بترك الاحتراز فقد عَطَّل حكمته، كمن يترك الأغذية والأدوية ثم يموت جوعًا أو مرضًا. ولا أبله ممن يدَّعي العقل والعلم ويستسلم للبلاء. إنما ينبغي أن تكون أعضاء المتوكل في الكسب، وقلبه ساكن مُفَّوض إلى الحق، منع أو أعطى. لأنه لا يرى إلا أن الحق سبحانه وتعالى لا يتصرف إلا بحكمة ومصلحة. فمنعه عطاء في المعنى. وكم زيَّن للعجزة عجزهم، وسوَّلت لهم أنفسهم أن التفريط توكل، فصاروا في غرورهم بمثابة من اعتقد التهور شجاعة، والخور حزمًا. ومتى وُضِعت أسباب فأُهمِلت كان ذلك جهلًا بحكمة الواضع. مثل وضع الطعام سببًا للشبع، والماء للري، والدواء للمرض. فإذا ترك الإنسان ذلك إهوانًا بالسبب، ثم دعا وسأل، فربما قيل له: قد جعلنا لعافيتك سببًا، فإذا لم تتناوله كان إهوانًا لعطائنا، فربما لم نعافك بغير سبب لإهوانك للسبب. وما هذا إلا بمثابة مَن بين قراحه وماء الساقية رفسة بمسحاة، فأخذ يصلي صلاة الاستسقاء طلبًا للمطر، فانه لا يُستسحن منه ذلك شرعًا ولا عقلًا"."

قال ابن الجوزي - رحمه الله -:"فإن قال قائل: كيف احترز مع القدر؟ قيل له: وكيف لا تحترز مع الأوامر من المقدِّر؟ فالذي قدر الذي أمر. وقد قال تعالى: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 102] ."

عن أبي عثمان قال: كان عيسى - عليه السلام - يصلي على رأس جبل، فأتاه إبليس فقال: أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقَدَر؟ قال: نعم. قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت