فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 122

فألق نفسك من الجبل وقل: قدر عليّ! فقال: يا لعين؛ الله يختبر العباد وليس للعباد أن يختبروا الله تعالى.

قال ابن الجوزي: وفي معنى ما ذكرنا من تلبيسه عليهم في ترك الأسباب أنه قد لبَّس على خلق كثير منهم بأن التوكل ينافي الكسب.

عن محمد بن عبد الله الرازي قال: سأل رجل أبا عبد الله بن سالم وأنا أسمع: أنحن مُستعبَدون بالكسب أم بالتوكل؟ فقال: التوكل حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والكسب سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما سُنَّ الكسب لمن ضعف عن التوكل، وسقط عن درجة الكمال التي هي حاله، فمن أطلق التوكل فالكسب غير مباح له بحال إلا كسب معاونة، لا كسب اعتماد عليه، ومَن ضعف عن حال التوكل التي هي حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أبيح له طلب المعاش في الكسب، لئلا يسقط عن درجة سُنَّته حين سقط عن درجة حاله.

وعن يوسف بن الحسين قال: إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص والكسب، فليس يجيء منه شيء.

قال ابن الجوزي - رحمه الله -: قلت: هذا كلام قوم ما فهموا معنى التوكل، وظنوا أنه ترك الكسب، وتعطيل الجوارح عن العمل، وقد بيَّنا أن التوكل فعل القلب فلا ينافي حركة الجوارح، ولو كان كل كاسب ليس بمتوكل لكان الأنبياء غير متوكلين؛ فقد كان آدم - عليه السلام - حرَّاثًا، ونوح وزكريا نجَّارين، وإدريس خيَّاطًا، وإبراهيم ولوط زارعين، وصالح تاجرًا. وكان سليمان يعمل الخوص، وداود يصنع الدرع ويأكل من ثمنه، وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة، صلوات الله عليهم أجمعين.

وقال نبينا - صلى الله عليه وسلم: «كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ» (1) . فلما أغناه الله عزَّ وجلَّ بما فرض له من الفيء لم يحتج إلى الكسب. وقد كان أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة رضوان الله تعالى عليهم بزَّازين. وكذلك محمد بن سيرين وميمون بن مهران بزَّازين.

(1) انظر: سنن ابن ماجه [2149] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت