وكان الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز خزَّازين (1) ، وكذلك أبو حنيفة. وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل، وكان عثمان بن طلحة خيَّاطًا. وما زال التابعون ومَن بعدهم يكتسبون ويأمرون بالكسب.
وعن عطاء بن السائب قال: لما استُخْلِف أبو بكر - رضي الله عنه - أصبح غاديًا إلى السوق، وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا: أين تريد؟ فقال: السوق. قالا: تصنع ماذا؟ وقد وليت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟
وذكر ابن سعد بسنده عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لما استُخْلِف أبو بكر جعلوا له ألفين. فقال: زيدوني فإن لي عيالًا، وقد شغلتموني عن التجارة، فزادوه خمسمائة.
قال ابن الجوزي - رحمه الله -: قلت: لو قال رجل للصوفية: من أين أطعم عيالي؟ لقالوا: قد أشركت! ولو سُئلوا عمن يخرج إلى التجارة لقالوا: ليس بمتوكل ولا موقن، وكل هذا لجهلهم بمعنى التوكل واليقين. ولو كان أحد يغلق عليه الباب ويتوكل لقرب أمر دعواهم. لكنهم بين أمرين: أما الغالب من الناس، فمنهم من يسعى إلى الدنيا مستجديًا، ومنهم من يبعث غلامه، فيدور بالزنبيل فيجمع له. وإما الجلوس في الرباط في هيئة المساكين، وقد علم أن الرباط لا يخلو من فتوح، كما لا يخلو الدكان من أن يُقصد للبيع والشراء!
عن إبراهيم بن أدهم قال: كان سعيد بن المسيِّب يقول: من لزم المسجد، وترك الحرفة، وقبل ما يأتيه، فقد ألحف في السؤال.
(1) أي: يعملون في الخزّ وهي ثياب تُنسج من صوف وإبريسم.