وقد صوَّر شاعر النيل حافظ إبراهيم أنواعًا من هذا الصنف فأبدع في تصويره حين قال:
كم عالمٍ مَدَّ العلومَ حبائلًا ... لوقيعة وقطيعة وفراقِ
وطبيبِ قومٍ قد أحلَّ لطبِّهِ ... ما لا تُحِلُّ شريعةُ الخلاقِ
قتلَ الأجِنَّة في البطونِ، وتارةً ... جمعَ الدراهمَ من دمٍ مُهراقِ
أغلى وأثمنُ من تجاربِ عِلمهِ ... يوم الفخارِ تجاربُ الحلاقِ
وفقيهِ قومٍ ظلَّ يرصدُ فِقههُ ... لمكيدةٍ أو مُستحلِّ طلاقِ
يمشي وقد نُصِبَتْ عليه عمامةٌ ... كالبرجِ، لكن فوق تلِّ نفاقِ
يدعونه عند الشِّقاق وما دَروا ... أن الذي يدعونَ خِدْنُ شِقاقِ
وأديبِ قومٍ تستحق يمينهُ ... قطعَ الأناملِ أو لَظى الإحراقِ
في كفِّه قلمٌ يمُجُّ لُعابهُ ... سُمًا، وينفثه على الأوراقِ
يَرِدُ الحقائق وهي بيضٌ نُصَّعٌ ... قدسيةٌ علويةُ الإشراقِ
فيردُّها سودًا على جَنَباتها ... من ظُلمة التَّمويهِ ألفُ نِطاقِ
لقد جعل الله الأسباب لخلقه نعمة، فجعلها هؤلاء نقمة، حين انحرفوا بها إلى ما يُسخط الله تبارك وتعالى.
ومثل هؤلاء: من شغلتهم الأسباب عن أداء فرائض الله عزَّ وجلَّ، فأولئك استعانوا بالأسباب على فعل المحظور، وهؤلاء ألهتهم عن فعل المأمور. كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون: 9] .