{قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] . لا عجب أن قال موسى بكل اطمئنان: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] .
وقد هداه الله إلى المخرج من المأزق بأمر لم يكن في حسبانه، ولا في حسبان أحد: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ. وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً} [الشعراء: 63 - 67] .
هذه هي ثمرة التوكل إذا اتقطعت الأسباب.
وانظر إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - يوم الهجرة، كيف أخذ بكل الأسباب الممكنة للبشر، خطَّط فأحكم التخطيط، ورتب فأحسن الترتيب، وأعدَّ لكل أمر عُدته المناسبة، هيأ من يبيت في فراشه (علي بن أبي طالب) ، ومن يرافقه في رحلته (أبا بكر الصِّدِّيق) ، ومن يدله على الطريق (عبد الله بن أريقط) ، واختار الغار الذي يختفي فيه أيامًا حتى يهدأ الطلب عنه (غار ثور) ، ولم يختره ناحية يثرب تعمية على القوم، وهيأ من يأتي له بالزاد والأخبار (أسماء بنت أبي بكر) ، ومن يعفى على آثارها بغنمه بعد رجوعها (عامر بن فهيرة) .
ومع هذا كله استطاع القوم أن يصلوا إلى الغار، وأن يتوقفوا عنده، وهو ما جعل أبا بكر - رضي الله عنه - يقول مشفقا على مصير الدعوة إن مسَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سوء: يا رسول الله؛ لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا! فيرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلًا: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» ؟ (1) أو كما قال الله تعالى: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] .
لقد فعل الرسول الكريم ما قدر عليه، وبقي ما لم يقدر عليه، فتركه لربه وراعيه، يدبره بما يشاء من الأسباب الخفية، أو بغير الأسباب أصلًا إن
(1) رواه أحمد [11] وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه أيضا الترمذي [3096] .