والمعجب بنفسه، المغرور بشبابه وبقوته، أو بماله وثروته، أو بجاهه ومنصبه، أو بأنصاره وعصبته، أو بغير ذلك مما يعتز به الناس، لا يشعر بحاجته وافتقاره إلى الله، حتى يعتمد عليه، ويستند إليه، بل هو محجوب بنفسه عن ربه.
ويزداد المرء حجابًا عن ربه بنفسه، إذا وجد ممن حوله ألسنة زور، وأبواق نفاق، تعظمه وتضخمه وتنفخ فيه.
خصوصًا إذا كان ممن يرجونه أو يخشونه، من أهل الحكم، أو أرباب المال والجاه. كما حكي ذلك عن بعض الشعراء قديمًا، وكما يحكى عن بعض الصحفيين حديثًا. كذلك الشاعر الذي قال لأحد ملوك العبيديين المعروفين باسم (الفاطميين) :
ما شئت، لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم فأنت الواحد القهار!
وقول الآخر:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره ... ولا يهيضون عظمًا أنت جابره
وقد احسن أهل السلوك حين أخذوا هذا الشعر فناجوا به ربهم، فهو به أحق وأولى.
ولا تزاح الغشاوة عن بصره، إلا إذا فقد ما يتكئ عليه من قوة أو مال أو جاه أو أنصار، فهناك يظهر على حقيقته مخلوقًا ضعيفًا عاجزًا لا حول له ولا طول.
ضرب القران مثلًا لذلك: صاحب الجنتين - المذكور في سورة الكهف - الذي قال لصاحبه وهو يحاوره: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا. وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا. قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا.