فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 122

وهذه الشعبة، أو هذا المقام أو الخُلُق الربَّاني، من المقامات التي تدخل فيها خلط وخبط، وسوء فهم عريض، حتى التبس التوكل بالتواكل واطراح الأسباب، ورويت في ذلك حكايات عن بعض الصوفية، فيها مبالغات تخرج عن منهج الوسطية التي جاء بها الإسلام، كما تخرج عن نظام السنن التي أقام الله عليها هذا الخَلْق، وربطها بشبكة الأسباب والمسببات.

ونحن على منهجنا الذي التزمناه لا نحيد عنه، وهو الاستمساك بما جاء في القرآن وصحيح السُنَّة، ففيهما النجاة من كل هلكة، والسلامة من كل انحراف، والاهتداء إلى ما يحب الله ويرضى؛ ففيهما الحياة والنور كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى: 52، 53] .

أرجو أن تجد أخي القارئ في هذه الصحائف ما يوضح لك الغاية، وما يضيء لك السبيل، ويساعدك على أن تثق بربك، وتضع يدك في يده، متوكلًا عليه، وكفى بالله وكيلًا .. وأن تجتهد في رعاية الأسباب المشروعة، كما أمرك الله، وأن تدع النتائج إلى مسبب الأسباب، ورب الأرباب، فالكون كله بيده، والمرجع إليه وحده: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] .

ونختم هذه التقدمة بما قاله نبي الله شعيب لقومه: {رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] .

الدوحة في المحرَّم 1415 هـ - يونيو (حزيران) 1994 م

الفقير إلى عفو ربه

يوسف القرضاوي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت