فأخلصوا فيها النية، وأدوها بالإحسان الذي كتبه الله على كل شيء، ورعوا الحقوق، ولم يتعدَّوا الحدود (1) .
وقد كان بعضهم يقول: ما أجمل أن يجعل الفلاح فأسه مِسبحته. ويجعل النجار منشاره مِسبحته، ويجعل الحداد مطرقته مِسبحته. وهكذا.
وقد حكى الفقيه الرباَّني ابن عطاء الله السكندي عن بداية صلته بشيخه أبي العباس المرسي، وأنه كان يريد أن يقبس من إشعاعه الروحي، وتوجيهه الربَّاني، ولكنه سمع من أصحابه من طلبة العلم أن الذي يصحب مشايخ الطريق يضمُر حظه في العلم الشرعي الظاهر. قال: فشقَّ عليَّ أن يفوتني العلم، وشقَّ عليَّ أن تفوتني صُحبة الشيخ - رضي الله عنه -.
فلما ذهب إلى الشيخ كان أول ما بادره به أن قال:"نحن إذا صحبنا تاجرًا، ما نقول له: اترك تجارتك وتعال، أو صاحب صنعة، ما نقول له: اترك صنعتك وتعال، أو طالب علم، ما نقول له: اترك طلبك وتعال. ولكن نقر كل أحد فيما أقامه الله فيه، وما قسم له على أيدينا فهو واصل إليه. قال: وقد صحب الصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما قال لتاجر: اترك تجارتك، ولا لذي صنعة: اترك صنعتك، بل أقرَّهم على أسبابهم، وأمرهم بتقوى الله فيها" (2) .
(1) انظر كتابنا:"العبادة في الإسلام"تحت عنوان: عمل الإنسان في معاشه عبادة بشروط"ص 61 - 63، طبع مؤسسة الرسالة، الطبعة التاسعة عشرة."
(2) انظر:"لطائف المنن"لابن عطاء الله ص 188 - 189 بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود.