فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 122

المداوِي والمداوَى. أي أن الدواء غير موثوق به، وهذا قد يكون كذلك في نفسه، وقد يكون عند المريض كذلك، لقِلَّة ممارسته للطب وقِلَّة تجربته له، فلا يغلب على ظنه كونه نافعًا، ولا شك في أن الطبيب المجرّب أشد اعتقادًا في الأدوية من غيره، فتكون الثقة والظن بحسب الاعتقاد، والاعتقاد بحسب التجربة، وأكثر مَن ترك التداوي من العُبَّاد والزُهَّاد، هذا مستندهم، لأنه يبقى الدواء عنده شيئًا موهومًا لا أصل له، وذلك صحيح في بعض الأدوية عند من عرف صناعة الطب، غير صحيح في البعض، ولكن غير الطبيب قد ينظر إلى الكل نظرًا واحدًا، فيرى التداوي تعمقًا في الأسباب كالكيّ والرقَى، فيتركه.

"السبب الرابع": أن يقصد العبد بترك التداوي استبقاء المرض لينال ثواب المرض بحسن الصبر على بلاء الله تعالى، أو ليجرّب نفسه في القدرة على الصبر. فقد ورد في ثواب المرض ما يكثر ذكره. فقد قال - صلى الله عليه وسلم: «نَحْنُ - مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ - أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءًا، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى قَدْرِ إِيْمَانِهِ، فَإِنْ كَانَ صَلْبَ الْلإِيْمَانِ شُدِّدَ عضلَيْهِ الْبَلَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي إِيْمَانِهِ ضَعْفٌ، خُفِّفَ عَنْهُ الْبَلَاءُ» (1) .

"السبب الخامس": أن يكون العبد قد سبق له ذنوب وهو خائف منها عاجز عن تكفيرها، فيرى المرض إذا طال تكفيرًا، فيترك التداوي خوفًا من أن يسرع زوال المرض.

"السبب السادس": أن يشعر العبد في نفسه مبادئ البطر والطغيان بطول مدة الصحة، فيترك التداوي خوفًا من أن يعاجله زوال المرض، فتعاوده

(1) حديث: «نَحْنُ - مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ - أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءًا، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ... الحديثَ» ، قال الحافظ العراقي: رواه أحمد، وأبو يعلى، والحاكم وصححه على شرط مسلم نحوه مع اختلاف، ورواه الحاكم أيضا من حديث سعد بن أبي وقاص، وقال: صحيح على شرط الشيخين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت