وهذا الترتيب واضح في القرآن الكريم.
يقول الله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 54] .
والعطف بالفاء يفيد الترتيب والتعقيب، أي: أن العلم يترتب عليه الإيمان، والإيمان يترتب عليه الإخبات، فهم إذا علموا آمنوا، وإذا آمنوا أخبتوا.
ويقول تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] .
فقدم الأمر بالعلم {فَاعْلَمْ} على الأمر بالفعل وهو الاستغفار.
قال الإمام البخاري في كتاب العلم: «باب العلم قبل القول والعمل» لقوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ... } الآية، فبدأ بالعلم، قال الشراح: أراد أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما، لأنه مصحح للنية المصححة للعمل، فنبه المصنف على ذلك، حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: «إن العلم لا ينفع إلا بالعمل» تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه (1) .
والخطاب في الآية وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم فهو متناول لأمته بلا نزاع.
وأخطر ما يصيب الإنسان أن تلتبس عليه الأمور، فيرى الباطل حقا، والحق باطلا، والمعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وأن يزيّن له سوء عمله فيراه حسنا، وقد قال تعالى لرسوله: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ
(1) «صحيح البخاري» مع «فتح الباري» ط. دار الفكر، تصويرا عن ط. السلفية بإشراف الشيخ عبد العزيز بن باز، وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.