وقد أخذت الحكومات في البلاد الإسلامية الأخرى تقلد تركيا الجديدة على درجات متفاوتة، فأقصي الإسلام عن الحكم والتشريع في الأمور الجنائية والمدنية ونحوها، وبقي محصورا فيما سمي «الأحوال الشخصية» كما أقصي عن التوجيه والتأثير في الحياة الثقافية والتربوية والاجتماعية، إلا في حدود ضئيلة، وفسح المجال كل المجال للتوجيه الغربي والثقافة الغربية والتقاليد الغربية.
ولم يخف بعض الزعماء السياسيين العرب إعجابهم باتجاه أتاتورك، حتى إن زعيم حزب مصري كبير معروف ورئيس وزراء حينذاك قال في تصريح له: إنني معجب بلا تحفظ بكمال أتاتورك وفهمه لمعنى الدولة الحديثة ... ورد عليه المرشد الشهيد في خطاب معروف، نشره جريدة «الإخوان المسلمون» اليومية فيما بعد.
وكان من أبرز المظاهر لنجاح الغزو الثقافي الغربي أن «الفكر العلماني» الدخيل الذي ينادي بفصل الدين عن الدولة لم يقف عند الرجال «المدنيين» وحدهم، بل تعداهم إلى بعض الذين درسوا دراسة دينية في معهد إسلامي عريق كالأزهر، كما تجلى ذلك في كتاب الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» .
ومن الإنصاف أن نقول: إن هذا الكتاب قد أحدث ضجة هائلة حين صدوره في المجتمع عامة، وفي الأزهر خاصة، وقد شكلت هيئة من علماء الأزهر لمحاكمة مؤلفه، فقضت بتجريده من شهادة العالمية، وإخراجه من زمرة العلماء، كما رد عليه كثير من العلماء والمفكرين أزهريين وغير أزهريين (1) .
كان لا بد إذن من تأكيد الوقوف في وجه العلمانية ودعاتها ومبرريها، بتأكيد شمول الإسلام، وإبراز هذا الجانب الحي من أحكامه وتعاليمه: جانب
(1) ممن ردوا عليه العلامة المجاهد محمد الخضر حسين، شيخ الأزهر الأسبق في كتاب سماه «نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم» .