فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 118

إن دولة الإسلام «دولة فكرية» ، دولة تقوم على عقيدة ومنهج، فليست مجرد «جهاز أمن» يحفظ الأمة من الاعتداء الداخلي أو الغزو الخارجي، بل إن وظيفتها لأعمق من ذلك وأكبر، وظيفتها، تعليم الأمة وتربيتها على تعاليم ومبادئ الإسلام، وتهيئة الجوّ الإيجابي والمناخ الملائم لتحول عقائد الإسلام وأفكاره وتعاليمه إلى واقع عملي ملموس، يكون قدوة لكل من يلتمس الهدى، وحجة على كل سالك سبيل الردى.

ولهذا يُعرّف ابن خلدون «الخلافة» بأنها: حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به (1) .

ولهذا وصف الله المؤمنين حين يمكّن لهم في الأرض وبتعبير آخر: حين تقوم لهم دولة، فقال: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج: 41] .

إن شعار دولة الإسلام ما قاله ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس: «إن الله بعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام» .

ثم إن هذه الدولة الفكرية ليست ذات صفة محلية، ولكنها دولة ذات رسالة عالمية لأن الله حمل أمة الإسلام دعوة البشرية إلى ما لديها من هدى ونور، وكلّفها الشهادة على الناس، والأستاذية للأمم، فهي أمة لم تنشأ بنفسها ولا لنفسها فحسب، بل أخرجت للناس، أخرجها الله الذي جعلها خير أمة

(1) «مقدمة ابن خلدون» (2/ 518) طبعة لجنة البيان العربي بتحقيق: د. علي عبد الواحد وافي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت