قال ابن تيمية: «فمن عَدَل عن الكتاب عُدّل بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف» (1) .
وقال الإمام الغزالي: «الدنيا مزرعة الآخرة، ولا يتم الدين إلا بالدنيا، والملك والدين توأمان، فالدين أصل، والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان» (2) .
إن نصوص الإسلام، لو لم تجئ صريحة بوجوب إقامة دولة للإسلام، ولم يجئ تاريخ الرسول وأصحابه تطبيقا عمليا لما دعت إليه هذه النصوص، لكانت طبيعة الرسالة الإسلامية نفسها تحتم أن تقوم للإسلام دولة أو دار، يتميّز فيها بعقائده وشعائره وتعاليمه ومفاهيمه، وأخلاقه وفضائله، وتقاليده وتشريعاته.
فلا غنى للإسلام عن هذه الدولة المسؤولة في أي عصر، ولكنه أحوج ما يكون إليها في هذا العصر خاصة، هذا العصر الذي برزت فيه «الدولة الأيديولوجية» ، وهي الدولة التي تبنى فكرة، يقوم بناؤها كله على أساسها، من تعليم وثقافة وتشريع وقضاء واقتصاد، إلى غير ذلك من الشؤون الداخلية والسياسية الخارجية، كما نرى ذلك واضحا في الدولة الشيوعية والاشتراكية، وأصبح العلم الحديث بما وفره من تقدم تكنولوجي في خدمة الدولة، وأصبحت الدولة بذلك قادرة على التأثير في عقائد المجتمع وأفكاره وعواطفه وأذواقه وسلوكه بصورة فعالة، لم يُعرف لها مثيل من قبل، بل تستطيع الدولة بأجهزتها الحديثة الموجهة أن تغير قيم المجتمع ومُثُله وأخلاقه رأسا على عقب، إذا لم تقم في سبيلها مقاومة أشد.
(1) «مجموع الفتاوى» (28/ 264) .
(2) «إحياء علوم الدين» (1/ 71) كتاب «العلم» .