ودينه، هو بلال الذي كان يهتف في دار الهجرة بالحنين إلى مكة، في أبيات تسيل رقة وتقطر حلاوة (1) :
ألا ليت شعري، هل أبيتنّ ليلة ÷ بِوادٍ وحولي إدخِرٌ وجليلُ؟!
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوما مِيَاهَ مجنّة ÷ وهل يَبْدُوَنْ لي شامة وطفيل؟!
ولقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف مكة من «أصيل» فجرى دمعه حنينا إليها وقال: «يا أصيل، دع القلوب تقر» .
وإن كانوا يريدون أن من الواجب العمل بكل جهد في تحرير البلد من الغاصبين وتوفير استقلاله له، وغرس مبادئ العزة والحرية في نفوس أبنائه، فنحن معهم في ذلك أيضا، وقد شدّد الإسلام في ذلك أبلغ التشديد فقال تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8] ، ويقول: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] .
وإن كانوا يريدون بالوطنية تقوية الرابطة بين أفراد القطر الواحد، وإرشادهم إلى طريق استخدام هذه التقوية في مصالحهم، فذلك نوافقهم فيه أيضا، ويراه الإسلام فريضة لازمة فيقول نبيه صلى الله عليه وسلم: «وكونوا عباد الله إخوانا» (2) ، ويقول القرآن الكريم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118] .
وإن كانوا يريدون بالوطنية فتح البلاد، وسيادة الأرض، فقد فرض ذلك الإسلام ووجّه الفاتحين إلى أفضل استعمار وأبرك فتح، فذلك قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193] .
(1) الحديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة، والشعر عند البخاري فقط.
(2) رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة، كما في «صحيح الجامع الصغير» .