بيّن في هذه الرسالة الموقف من الدعوات المختلفة التي طغت في هذا العصر، ففرّقت القلوب وبلبلت الأفكار. ومنها: الوطنية.
قال - رحمه الله:
«افتتن الناس بدعوة الوطنية تارة، والقومية تارة أخرى، وبخاصة في الشرق، حيث تشعر الشعوب الشرقية بإساءة الغرب إليها، إساءة نالت من عزتها وكرامتها واستقلالها، وأخذت من مالها ومن دمها، وحيث تتألم هذه الشعوب من هذا النير الغربي الذي فُرِضَ عليها فرضا، فهي تحاول الخلاص منه بكل ما في وسعها من قوة ومنعة وجهاد وجلاد، فانطلقت ألسن الزعماء، وسالت أنهار الصحف، وكتب الكاتبون، وخطب الخطباء، وهتف الهاتفون باسم الوطنية وجلال القومية.
حَسَنٌ ذلك وجميل، ولكن غير الحسن وغير الجميل أنك حين تحاول إفهام الشعوب الشرقية - وهي مسلمة - أن ذلك في الإسلام بأوفى وأزكى وأسمى وأنبل مما هو في أفواه الغربيين، وكتابات الأوروبيين، أبوا ذلك عليك، ولجّوا في تقليدهم يعمهون، وزعموا لك أن الإسلام في ناحية، وهذه الفكرة في ناحية أخرى، وظن بعضهم أن ذلك مما يفرّق وحدة الأمة، ويُضعف رابطة الشباب.
هذا الوهم الخاطئ كان خطرا على الشعوب الشرقية من كل الوجهات، وبهذا الوهم أحببت أن أعرض هنا إلى موقف الإخوان المسلمين ودعوتهم من فكرة الوطنية، ذلك الموقف الذي ارتضوه لأنفسهم، والذي يريدون ويحاولون أن يرضاه الناس معهم.
إن كان دعاة الوطنية يريدون بها حب هذه الأرض وألفتها والحنين إليها والانعطاف نحوها، فذلك أمر مركوز في فِطْرِ النفوس من جهة، مأمور به في الإسلام من جهة أخرى، وإن بلالا الذي ضحى بكل شيء في سبيل عقيدته