فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 191

ومثاله - أيضًا: قوله تعالى: {إِذْ [1] قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} [2] ووجهه: أنهم ادَّعوا أن الله ما أنزل على بشرٍ من شيءٍ، وهذه دعوى عامَّة، ثم كانوا قد سلَّموا [3] أن موسي بشر، وأن

موسي منزَّل عليه الكتاب، فانتقض به دعواهم وثبت أن بعض البشر نُزِّل عليه الكتاب، فإنه مهما بطل قولنا: «ما أنزل الله على بشر من شيء» صحَّ قولنا: «بعض البشر أنزل الله عليه شيئًا» ، فإن المتناقضين إذا بطل أحدُهما صح الآخر لا محالة.

وهذا - أيضًا - دليلٌ يُبتنى على تسليم أصلين: أحدهما: أن موسي بشر، والثاني: أن موسي منزَّل عليه الكتاب، فلزم منه تسليم أن بعض البشر أُنزل عليه الكتاب، وبطل به الدعوى العامة وهو أنه ما أنزل الله على بشرٍ من شيء.

وهذا الطريق لا يصلح إلا لنقض الدعوى العامة، ثم في ضمن [7/أ] بطلانها ثبوتُ نقيضِها الخاص لا محالة.

وحاصل هذه الدلالة يرجع إلى أن كلَّ شيئين وُجدا مجتمعين في شيءٍ واحدٍ فلا مباينة بينهما بالكلية، فاللونية والعرضية يجتمعان في السواد، فلا جرم لا يصح أن تُدَّعى المباينة بينهما مطلقًا؛ فيقال: «كل لونٍ ليس بعرض أو [4] كلُّ عرضٍ ليس بلون» ، كما أن البشرية وإنزال الكتاب هما شيئان اجتمعا في موسي وهو شيء ثالث، فاستحال دعوى المباينة العامة بينهما بأن الكتاب لا ينزل على بشرٍ أَصْلًا، والكذب والحسن قد اجتمعا في قول من أخفى مكان العالم عن الظالم، فلا جرم لا يمكن ادعاء المباينة بين الكذب والحسن حتي يقال: «كل ما هو كذب فليس بحسن» .

(1) ... في الأصل: وقالوا.

(2) ... سورة الأنعام: آية 91.

(3) ... في الأصل: تسلموا.

(4) ... في الأصل: إذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت