عاصيًا بل هو معذور للجهل، وللعدوان والعصيان مدخل في إيجاب الكفارة؛ فإنه إنما يكفَّر ذنبٌ، ولا ذنبَ على الظانِّ المعذور.
ولكن يحتمل في مقابله أن يقال: الشرع قد أوجب كفارة في الخطأ مع أن المخطئ غير آثم، وجعل إعتاق الرقبة كفارة الخطأ [1] ، فالخطأ أيضًا يفتقر إلى كفارة كما أن الخطيئة تفتقر إلى كفارة، فيتعارض الاحتمال، فيجب طلب شهادة أحد [11/أ] الاحتمالين من التوقيف، فإن وجدت شهادتان فيجب طلب الترجيح.
والمقصود من هذا كلِّه: أن نعلم أن مفهوم قوله: (حكمي في الواحد حكمي في الجماعة) الجماعة التي تماثل ذلك الواحد، ولا تماثل مطلقًا في بعض المعاني، ولا في كلِّ بعض، بل فيما هو مناط الحكم، فمهما ثبت لنا المناط كان إجراءُ الحكم في جميع المواضع التي وجد فيها [2] المناط بحكم عموم هذا التوقيف، وإنما الشأن في تنقيح المناط وتلخيصه وتجريده عن كلِّ ما لا مدخلَ له في الاعتبار وتقييده بكلِّ وصفٍ له دخلٌ في الاعتبار، حتى يصيرَ محدودًا مميزًا لا يدخل فيه ما ليس منه ولا يخرج منه ما هو مناطٌ للحكم أصلًا.
وتنقيح المناط له ركنان:
أحدهما: إسقاط ما لا مدخل له في الاقتضاء عن درجة الاعتبار.
والثاني: إظهار ما له مدخل في الاقتضاء حتى يحفظ في الاعتبار، فلا يسمح بسقوطه.
وكل واحدٍ من هذين الركنين ينقسم إلى طرفين واضحين في النفي والإثبات وإلى وسط متشابه محتمل، والواضح في النفي والإثبات واضح بوضوح شهادة التوقيف، والمحتمل أيضًا لا يجوز الحكم به ما لم تظهر شهادة أحد الجانبين من التوقيف بدقيق التأمل، فلا يفارق الخفي الواضح إلا أن شهادة التوقيف له
(1) ... قال تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) سورة النساء: آية 92.
(2) ... في الأصل: فيه.