فلو كنا قد عرفنا منه نوعًا من السوداء والمالنخوليا [1] يحمله ذلك على تمزيق الثياب فلا نحكم بوقوع المصيبة مهما رأينا ثوبه ممزقًا، ولو لم نعرف ذلك من حاله - ولكن لم نعهد منه أيضًا تمزق الثوب في المصائب بل رأيناه على خلاف ذلك - فلا نفهم من تمزيقه الثوب وقوع مصيبة، بل نحمله على سبب آخر.
وكذلك لو ورد نبي وكان من عادته تغييرٌ للأحكام في حقِّ الآحاد من غير اتباع عموم الأسباب كلِّها: لا نتجاسر في شريعته على إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق أصلًا، بل في شرع نبيٍّ واحدٍ يجوز أن نعرف اختلاف عادته في أجناس الأحكام، فقد عرفنا في عادة نبينا صلوات الله عليه في مقادير نُصب الزكوات تخصيصاتٍ وتحكُّمات، أَفْهَمَنا ذلك أنه [12/ب] مظنة تعبدات مشتملة على خواصَّ غيرِ معقولةٍ، فلا جرم يمنعنا ذلك من إلحاق مقدار بغيره وابدال منصوصٍ بغير منصوصٍ، وإذا آل الأمر إلى حقوق الخلق في الإتلافات والضمانات يتوسَّع فيه في الإلحاق؛ إذ عرفنا بعادته فيها اتباع الأسباب المصلحية دون التحكُّمات التعبدية.
فصل
اعلم أن هذه العادات: تارة تنقل إلينا كنقل أخبار الأحكام الواردة في كلِّ جنسٍ - تارة على سبيل التواتُر وتارة على سبيل الآحاد - وتارة لا تنقل ولكن نحن [2] نستدلُّ على وقوعها [3] بما ينقل من أفعال الصحابة واتفاقاتهم، حتى إذا رأينا جمعهم يتشاورون في الوقائع ويحكمون [4] فيها برجم الظنون فيعلم من
(1) ... في الأصل: الماليخوليا.
والمالنخوليا (السوداء) : مرض سوداوي، من أهمِّ أعراضه الاكتئاب، وهبوط النشاط الحركي، وانعدام الاهتمام بالعالم الخارجي، والأرق، ورفض الغذاء، وطلب الانتحار، ويعتبر أحد جانبي الذهان الدوري المعروف بذهان الهوس والاكتئاب. انظر: الصحاح في اللغة والعلوم 1/ 626 (سود) ، 2/ 473، والمعجم الفلسفي 1/ 676.
(2) ... في الأصل: لا نستدل.
(3) ... في الأصل: وقوعه.
(4) ... في الأصل: فيه.