فصل
ينبغي أن نُنَبِّهَ لدقيقةٍ فيما يُعرف بالعادة أهملنا ذكرها في فصولِ شرحِ معني العادة، وهي: أن ما يثبت بالعادة فإنما يثبت بالتكرار مرة بعد أخرى، وهذا التكرار لا يثبت بمرةٍ ومرتين، ولا حصرَ لعدده، بل يجري ذلك مجري أخبار التواتر ومجري شهادة التجربة؛ فإن خبر الواحد يُحَرِّكُ أوَّل الظنِّ، وخبر الثاني يُقَوِّيه، وخبر الثالث يزيده تأكيدًا، ولا تزال تتزايد قوة الظن تزايدًا خفيَّ التدريج حتى ينقلب علمًا يقينًا، ولا يمكن حصر ذلك العدد أصلًا.
وكذلك تجربتنا السقمونيا [1] وكونه مسهلًا لخلط الصفراء لا تفيدنا اليقين [بكونه] [2] مسهلًا بالمرة والمرتين بل بمرَّاتٍ متواليةٍ كثيرةٍ حتى تنتهي إلى إفادة اليقين، ولكل مرة شهادة ثم تتوالي فتخرج عن حدِّ الظنِّ، كما أن لخبر كلِّ واحدٍ شهادةً حتى ينتهي إلى التواتر.
وكذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مرة بفسخ البيع - وعهد به - من غير التفاتٍ إلى ذكورة البائع [3] وأنوثته، وكذلك بنجاسة الماء عند وقوع نجاسةٍ فيه من غير فرق بين أن تكون النجاسة خارجة من الذكور أو الإناث - هو الذي يعرِّفنا سقوط وصف الذكورة عن درجة الاعتبار وينبئ أن حكم الإفلاس منوطٌ بكونه مشتريًا ملتزمًا للثمن لا بكونه رجلًا، وحكم العدوان منوطٌ بكونه مفوِّتًا على اليتيم لا بكونه أكلًا، وسراية العتق في نصف العبد [14/أ] بكونه رقيقًا لا بكونه عبدًا ذكرًا، والقطع في ربع دينارٍ بكونه هذا المقدار لا بكونه ذهبًا، وكذلك في نظائره.
فإذن: عُرِف بتوقيفٍ صادرٍ عن العادة المتكررة سقوطُ هذا الوصف عن درجة
(1) ... السقمونيا - بالقصر والمد - كلمة يونانية، وقيل: سريانية. وهي مادة تستخرج من نباتٍ بهذا الاسم أيضًا، وهي مسهلة؛ تسهل المرَّة الصفراءَ واللزوجات الردية من أقاصي البدن، وتطرد الدود من البطن. انظر: ترتيب القاموس المحيط 2/ 582، والمصباح المنير 1/ 300 (سقم) .
(2) ... ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(3) ... لعله أراد (المشتري) ؛ بدليل قوله - بعد قليل: بكونه مشتريًا ملتزمًا للثمن لا بكونه رجلًا.