مخلب من الطيور [1] إلى كثير من الحيوانات لا نعرف سببها، فلعل هذا - أيضًا - من ذلك الجنس، ولنفرض الكلام فيما لم يظهر توقيفٌ ودلالةٌ في الشرع على أن تحريم الخمر للسكر فإنه إذ ذاك لا يصلح أن يكون مثالًا لغرضنا، بل هو كذلك؛ فإن ذكر إثارة العداوة والبغضاء [2] تنبيهٌ عليه، فلعل المثال الأقرب إلى مسألتنا: تحريم القليل الذي لا يُسكر؛ فإنَّا نقول: إن سبب تحريمه أن قليله داعٍ إلى كثيره، وهذا مُخيل وقد وجد في النبيذ، وليس أعيان هذه المسائل من غرضنا بل إنما نوردها مثالًا للغرض الكليِّ الأصوليِّ، وهو أن إثبات الحكم على وفق الإخالة المتقاضية [3] للحكم: هل يكون شهادة للإخالة وإجابة لها إلى مقتضاها حتى تُنَزَّل منزلة الإضافة إليها؟
قالوا [4] : فدعواكم ذلك - مع انقسام [20/أ] عادة الشرع إلى اتباع المخيل مرة والتحكُّم الجامد مرة أخرى - لا وجهَ له لا سيما إذا كان المعنى غريبًا [5] لا يشهد لاعتباره دليلٌ إلا ثبات الحكم مقرونًا به، فلا تحصل به غلبة الظن أصلًا، بل يبقى مجرد احتمال.
(1) ... النهي عن كل ذي مخلب من الطير أخرجه مسلم في صحيحه / 1534، وأبو داود في سننه 4/ 159، 160، والنسائي في سننه 7/ 206، وابن ماجه في سننه / 1077 من حديث ابن عباس مرفوعًا. وأخرجه - أيضًا - أبو داود في سننه 4/ 160 - 161 من حديث خالد بن الوليد مرفوعًا.
(2) ... في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} سورة المائدة: آية 91.
(3) ... يقال: اقتضى دينه وتقاضاه بمعني طلبه وأخذه. انظر: لسان العرب 20/ 49 (قضي) . فالمؤلف - هنا - استعمل كلمة (المتقاضية) بمعنى المقتضية؛ بدليل قوله - بعد ذلك: إجابة لها إلى مقتضاها. وقد جرى منه هذا الاستعمال - أيضًا - في ص 110.
(4) ... هذا تابع - أيضًا - للاعتراض.
(5) ... قال الغزالي في المستصفي 2/ 298: الغريب: الذي لم يظهر تأثيره ولا ملاءمته لجنس تصرفات الشارع، ومثاله قولنا: إن الخمر إنما حرمت لكونها مسكرًا ففي معناها كل مسكر، ولم يظهر أثر السكر في موضع آخر لكنه مناسب، وهذا مثال الغريب لو لم يقدر التنبيه بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ} .