والجواب: أن نقول: الإنصاف يقتضي أن نقول: نحن لا ننكر أن المعنى المخيل قد يضعف في نفسه وقد يكون قريبًا غايةَ القرب، وأن الحكم قد يتفق فيما هو مظِنَّة التحكمات غالبًا فيضعف شهادة الحكم للعلِّيَّة [1] .
ولكنا نقول: إذا كان الحكمُ في جنسٍ لم يُعهد من الشرع فيه إلا الحكمُ بالمصلحة والمعنى المناسب وكان المعنى ظاهرَ المناسبةِ لمصالح الشرع - كان إضافةُ الحكم إليه أغلبَ على الظنِّ من تنزيلِه على وجه التحكُّم.
نعم: باب العبادات الغالبُ فيها التحكُّمُ [2] ، واتِّباعُ المعنى نادر، فلا جرم لا نقيس فيه ولا نلحق غير الشاة بالشاة في باب الزكوات، أما باب العقوبات والغرامات فغالب عادة الشرع فيها اتباع المصالح، والتحكُّم فيها نادر، فالأغلب على الظنِّ ما يُناسب أغلبَ العادات، وفي مثله يجوز التمسُّك بالمخيل.
ولا شك في أن أحكامَ النجاسةِ إذا ثبتت في حقِّ الرجال فيُقضى بمثلها في النجاساتِ الخارجةِ من النساءِ؛ إذ ظهر لنا بغالب عادة الشرع أنه ليس يلحظ فيها الأنوثة والذكورة، وأن جريان ذلك مرةً واحدةً في الرشِّ على بول الغلام لا
يمنعنا من الإلحاق اتِّباعًا لأغلب العادات.
فكذلك في مسألتنا لا تمتنع غلبة الظن إذا كان اتِّباع المعنى أغلبَ على عادات الشرع في ذلك الباب.
فإن قيل: إذا رجع غلبة الظنِّ إلى هذا الجنسِ فنحن قد نُسَلِّم لكم ذلك، ولكن قد ننازعكم في الأصل الثاني وهو قولكم: «إن أغلبَ الظنونِ يُتَّبع أبدًا» ؛ بل الظنون منقسمةٌ إلى [ما لا يُتَّبع و] [3] ما يُتَّبع، وهو الذي يستند إلى التوقيف
(1) ... في الأصل: للعلم.
(2) ... في الأصل: الحكم.
(3) ... ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.