فإن قيل: فالمصلحة [1] المرسلة وإن لم يثبت حكمٌ على وفقها قد تغلب على الظنّ، فينبغي أن نعوّل [2] عليه.
قلنا: الذي نراه أنه يجوز التعويل عليه إن غلب على الظن، وحيث نمنعه فإنا نمنع لأنه لا يَسْلم عن دلالةٍ تدلُّ على المنع منها أقوى وأغلب على الظنّ منها، ولولا ذلك فمهما لم تكن المصلحة من جنس المصالح التي أهملها الشرع فلا يبعد اتباعها، فقد جعل الشافعي - رحمة الله عليه - استيلاد [3] الأب جارية الابن سببًا لنقل الملك [4] إليه من غير ورود النصِّ فيه ولا وجود أصلٍ معين [5] يشهد لنقل الملك بمثل هذا العذر، والعلة المصلحية [6] فيه أنه يستحق الإعفاف على ولده، ومالُه معرض لحاجته في حفظ دينه ونسبه وقد مسَّت حاجته إليه في نسبه فينقل ملكه إليه، وهذا كأنه اتّباع مصلحة مناسبة ولكن لم يثبت من جهة الشرع نقل الملك بسببها بل ثبت إيجاب النقل وتسليم المهر إليه ليتزوج ويستعفَّ، فاستعماله في انتقال الملك - مع تعدِّيه بالإقدام على الوطء - اتباع مصلحة مرسلة.
وكذلك قال الشافعي رحمه الله [21/أ] - على [7] قول: «الغاصب إذا كثرت
(1) ... قال الغزالي في المستصفي 2/ 286، 311: نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع.
والمصلحة المرسلة: ما لم يشهد له من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار نصٌّ معين. وليست بقياسٍ، إذ القياس أصل معين، وهذه تعرف لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، فلذلك تسمى مصلحة مرسلة.
(2) ... في الأصل: نقول.
(3) ... يقال: استولدتها أي: أحبلتها. انظر: المصباح المنير 2/ 249 (ولد) .
(4) ... انظر: الوجيز 2/ 13 - 14، وروضة الطالبين 7/ 208، والمغني 14/ 591 - 592، والبحر المحيط 5/ 215.
(5) ... في الأصل: مغيّر.
(6) ... في الأصل: المصلحي.
(7) ... يعني: في قول عنه.