فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 191

دين الله برأيِنا [1] ؟

وأردتَ أن أعرِّفَك غورَ [2] هذا الخلافِ وسرَّه وغايتَه وغائلتَه [3] ، وأنه كيف نستجيز [4] مجاوزة التوقيف في الشرعِ بمجرَّدِ الرأيِ وهو في غاية البعد عن سَمْتِ [5] الاقتداء والاقتفاء والابتغاء؟ أو كيف ندرج الحكم بالرأي والقياس تحت التوقيف وهو بعيد عن وضع لفظ القياس؛ إذ السابقُ إلى الأفهام التقابلُ بين التوقيفِ والقياسِ حتى يقال: «الشرع إما توقيف أو قياس» ؟

فأقول - كاشفًا للغطاءِ عن هذه المشكلة الظلماء: ينبغي أن تعلم قطعًا أن قول القائل: «الشرع إما توقيف أو قياس» - على معنى وقوع التقابُلِ بينها - خطأ قطعًا، بل الشرعُ توقيفٌ كلُّه، وكلُّ قياسٍ هو مقابل للتوقيف - بمعني كونِه خارجًا عنه - فهو باطلٌ غيرُ ملتفَتٍ إليه.

بل أقول: من اعتقد أن معنى القياس هو إلحاق الشيءِ بمثله - بسببِ كونِه مِثْلًا له فقط - فهذا القياسُ باطلٌ لا مدخَل

له لا في الشرعِ ولا في اللغةِ ولا في العقلِ، وقد اختلف الناس في هذه المسائل

(1) ... هذا اقتباس من قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في آيةٍ من كتاب الله برأيي أو بما لا أعلم. أخرجه الطبري في مقدمة تفسيره 1/ 27، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/ 64، وعبد بن حميد (انظر: المعتبر / 225) ، وابن حزم في الإحكام / 1018 - 1019.

(2) ... غَوْرُ كلِّ شيءٍ: عمقه وبعده، ومنه يقال: فلان بعيد الغور، أي عارفٌ بالأمور، وغار في الأمر: إذا دقَّق النظر فيه. انظر: النهاية في غريب الحديث 3/ 393، ومختار الصحاح / 484، والمصباح المنير 2/ 110 (غرر) .

(3) ... أي: ما قد يكون فيه من مَكامِنِ الزلل والخطأ والخروجِ عن جادَّةِ الحق؛ لعمقه وبعده، يقال: أرضٌ غائلةُ النِّطاء، أي: تغول سالكيها ببعدها، وغائلة الحوض: ما انخرق منه وانثقب فذهب بالماء، والغوائل: الدواهي والمهالك. انظر: النهاية في غريب الحديث 3/ 397، ولسان العرب 14/ 20، 23 (غول) .

(4) ... في الأصل: يستجيز.

(5) ... السمت: القصد والمحجة والطريق، يقال: هو يسمت سمته، أي: ينحو نحوه، ويقال: إنه لحسن السمت، أي: حسن القصد والمذهب في دينه ودنياه. انظر: لسان العرب 2/ 350، 351 (سمت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت