فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 191

ولكن يقال: المِثْلية من ضرورتها اثْنَيْنِيَّة، فالمثلان هما اثنان، وكلّ اثنين فهما غيران، هذا غير ذلك، وذلك غير هذا، وكيف يكون غيره إن لم يغايره بالاتصاف بما لا يتصف به الآخر؟ وإذا غايره في ذلك لم يكن مِثْلًا مطلقًا، نعم! السوادان في محلين غيران؛ إذْ لهذا محلٌّ ليس للآخر، فلا جَرَمَ ليسا مثلين مطلقًا، بل هما مثلان في السوادية، والسوادان في زمانين في محلٍّ واحدٍ - أيضًا - متصوران؛ لأنهما متغايران بالزمان، فلا جَرَمَ [1] ليسا مثلين مطلقًا، بل هما مثلان في السوادية فلو فُرض اتحادُ الزمان والمحلِّ لم يعقل سوادان في وقتٍ واحدٍ في محلٍّ واحدٍ؛ لأنه لا تبقى مغايرة فلا تبقى اثنينية، فتحصل الوحدة وتنتفي المماثلة، فإن المماثلة نسبة بين اثنين، فإذا لم يكن

(1) ... لا جَرَمَ: قال الفراء: كانت في الأصل بمنزلة «لا بد ولا محالة» ، فجرت على ذلك وكثرت حتي تحولت إلى معنى القسم وصارت بمنزلة «حقًّا» . وعن الخليل: إنما تكون جوابًا لما قبلها من الكلام؛ يقول الرجل: «كان كذا وكذا وفعلوا كذا» ، فتقول: لا جَرَمَ أنهم سيندمون أو أنه سيكون كذا وكذا.

انظر: لسان العرب 14/ 360 - 361 (جرم) .

وقد قال البيضاوي في المنهاج: «لا جرم رتبناه على مقدمة وسبعة كتب» ، قال السبكي: الذي يسبق إلى الذهن من «لاجرم» في هذا الموضع أن معناها: لأجل ذلك، أي: لأجل ما سبق رتبناه على كتب، وقد جاءت «لا جرم» في القرآن في خمسة مواضع متلوة بأن واسمها ولم يجئ بعدها فعل، والذي ذكره المفسرون واللغويون في معناها أقوال .... وبعد أن ذكرها السبكي قال: وأنت إذا تأملت هذه الأقوال لم ينطبق شيءٌ منها على معنى التعليل الذي قصده المصنف، والذي يظهر أن التعليل مستفادٌ من ترتيب الحكم على الوصف، وتصحيح كلام المصنف بأن يقدر «فلا جرم أنا رتبناه» ؛ فإضمار الفاء لإفادة التعليل، وتقدير أنّ واسمها لتوافق مواقعها من القرآن، أو ينزل الفعل منزلة المصدر، ويُستغنى عن إضمار «أن» ، والتقدير: فحقًّا رتبناه. انظر: الإبهاج 1/ 40 - 41.

وقال الزركشي في المعتبر / 314 - 315: واعترض على صاحب المنهاج قوله - بعد: لا جرم: «رتبناه» ؛ فإنه لا يصلح للفاعلية، ويجاب بوجهين:

أحدهما: أنه يتخرج على قول الكوفيين في مجيء الفاعل جملة نحو: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ} [يوسف: 35] .

والثاني: ما قال ابن مالك: إن الفاعل قد يجيء مؤولًا بالمصدر وإن لم يكن معه «أن» كقوله تعالى: {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ} [إبراهيم: 45] {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا} [السجدة: 26] ففاعل «تبين ويهدِ» مضمون «كيف وكم» أي: كيفية فِعْلنا بهم وكثرة إهلاكنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت