فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 191

عدد ولا كثرة فكيف [1] تكون مماثلة؟ فهذا إن ظن أن الفرع مثل الأصل مطلقًا، وهذا لا يظنه [2] عاقل.

أما إن قال: «الفرع مثل الأصل فيما هو مناط الحكم وعلَّته، والافتراق بينهما في أمرٍ خارج عن العلة» ، فهذا إن ثبت له فهو مستغني عن الاستشهاد به، وصار ذكر الشاهد حشوًا وفضولًا [3] مستغنى عنه، وثبت عموم الحكم [4/أ] بعموم العلة، ويكون هذا تمسُّكًا بالعموم، لا قياسًا واستشهادًا.

ويُعرف هذا بمثالٍ وهو: أنه لو ركب راكبٌ البحرَ، فقلنا: لِمَ ركبتَ؟ فقال: لأستغني، قلنا: وبِمَ عرفتَ أن من ركب البحر استغنى؟ فقال: لأن فلانًا [4] اليهوديَّ ركب البحر فاستغنى، فإنِّي - أيضًا - أقيس نفسي عليه فأَعْرِفُ أني أستغني إذا ركبت البحر، فيقال له: وأنت لست بيهوديٍّ، فيقول: وهو ما استغنى لأنه يهوديٌّ بل لأنه تاجر، قلنا: فذِكْر اليهوديِّ والاستشهاد به حشوٌ وفضولٌ، فَقُلْ: كلُّ مَنْ ركب البحر استغنى فأنا - أيضًا - أركب فأستغني.

فهذا دليل صحيح إن ثبت له أن الاستغناء منوطٌ بمجرد ركوب البحر، وإن لم يثبت له ذلك على العموم في كلِّ راكبٍ للبحر فقياسُه باطلٌ لا يفيد العلم، وإذا ثبت عمومُه فهو متمسِّكٌ بعمومٍ لا بقياسٍ؛ إذ القياسُ يستدعي فرعًا وأصلًا وجامعًا، والتمسُّكُ بالعمومِ لا يستدعي شيئًا من ذلك.

[وبيانُ هذا[5] ]أنا إذا قلنا في الحِسِّيَّات: كلُّ جسم فهو مُتحيِّزٌ [6] ،

(1) ... في الأصل: كيف.

(2) ... في الأصل: لا نظنه.

(3) ... ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على المنطقيين / 211: أن ذكر الأصل يشعر النفس بنظير الفرع، فيكون ذلك أقوى في المعرفة من مجرد دخوله في الجامع الكليّ. وذكر في ص / 213: أنه قد يحتاج إلى الأصل في إثبات علية الوصف، فيذكر؛ لأنه من تمام ما يدل على علية المشترك. وراجع ما ذكره في ص 244، 367 - 368.

(4) ... في الأصل: فلان.

(5) ... ما بين المعقوفتين تُرك مكانه خاليًا في الأصل، وقد اجتهدت في إثباته معتمدًا على سياق الكلام.

(6) ... الحيِّز: هو الناحية، والمتحيِّز: هو الذي يكون في ناحيةٍ تحوزه وتضمُّه وتجمعه. انظر: المصباح المنير 1/ 168 (حاز) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت