والباري - عند المجسمة [1] - جسم، فيلزم أن يكون متحيزًا»، فيكون هذا تمسُّكًا بعمومٍ [2] ، وحاصله يرجع إلى أن الحكم العام على الصفة حكم على الموصوف، فإذا حكمنا بحكمٍ عامٍّ على جميع الأجسام دخل في ذلك الحكم - بالضرورة - أقسامُ الأجسام من: سماءٍ وأرضٍ وحيوانٍ ونباتٍ.
ومثاله في الفقه قولنا: «كل مسكر حرام، والنبيذ مسكر، فكان حرامًا» فهذه حجةٌ قاطعةٌ إن ثبت لنا أن كلَّ مسكرٍ حرام، وإن لم يثبت فلا حجةَ فيه، وإذا ثبت ذلك بالنقل عن الشارع كان ثابتًا، وكان إثبات الحكم في النبيذِ به تمسكًا بالعمومِ لا قياسًا.
وكذلك إذا قلنا: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر [3] ، وبيع الغائب [4] بيع الغرر، فكان [5] منهيًّا عنه» لم يكن هذا قياسًا بل تمسكًا بالعمومِ راجعًا إلى استثمار نتيجةٍ من أصلين معلومين:
أحدهما: النهي عن بيع الغرر، وهذا الأصل شرطُه العمومُ وهو أن يكون النهي عن كل غررٍ لا عن البعض.
(1) ... في الأصل: المجسمية.
والمجسِّمة: هم الذين يزعمون أن لله - تعالى - جسمًا، له حدٌّ ونهايةٌ من تحته وهي الجهة التي منها يلاقي عرشه، وهو مذهب الكرامية أتباع محمد بن كرام السجستاني الذي يرى أن الله تعالى مُماسٌّ العرشِه وأن العرشَ مكانٌ له. انظر: الفرق بين الفرق / 215 وما بعدها، والملل والنحل 1/ 108.
وقال الأشعري في مقالات الإسلاميين 1/ 257 - 259: اختلفت المجسمة فيما بينهم في التجسيم، وهل للباري - تعالى - قدر من الأقدار؟ وفي مقداره على ستَّ عشرة مقالة. ثم فصَّل في ذلك.
(2) ... في الأصل: لعموم.
(3) ... النهي عن بيع الغرر: أخرجه مسلم في صحيحه / 1153، وأبو داود في سننه 3/ 672، والترمذي في سننه 2/ 349، والنسائي في سننه 7/ 262، وابن ماجه في سننه / 739 من حديث أبي هريرة مرفوعًا.
وفي النهاية في غريب الحديث 3/ 355 (غرر) : بيع الغرر: هو ما كان له ظاهرٌ يغُرُّ المشتري وباطنٌ مجهول، وقال الأزهري: بيع الغرر ما كان على غيرِ عهدة ولا ثقة، وتدخل فيه البيوعُ التي لا يحيط بكنهها المتبايعان من كل مجهول.
(4) ... في الأصل: ... الغائب وبيع.
(5) ... في الأصل: وكان.