عليه [1] ؛ إذ يقال: «قاس النعل بالنعل» إذ سوَّاه عليه [2] ، فالقياس: هو حمل شيءٍ على شيءٍ في شيءٍ بشيءٍ، أي: حمل فرع على أصل في حكم بعلة، فإطلاق اسم القياس على غير هذا ظلمٌ على وضع الاسم.
فإن قيل: فالمتكلمون قاسوا، وردُّوا الغائب إلى الشاهد، وأثبتوا علة الأصل ثم ردوا الفرع إليه، فلِمَ أنكرتموه؟ فقد قالوا: الباري تعالي مرئي؛ لأنه موجود، قياسًا على المرئيات من الأعراض والجواهر، ثم انتهضوا فقالوا: الأعراض [3] والجواهر [4] إنما تصحُّ رؤيتها لعلة الوجود، فالوجود هو المصحِّح، وإذا ثبت أنه المصحِّح ثبت أن كلَّ موجودٍ مرئيٌّ، والباري موجود، فيجب أن يكون مرئيًّا [5] .
قلنا: إن لم يثبت لهم أن كل موجود مرئي على العموم - حتى يكون هذا قضية عامة - فلا يمكنهم الحكم بأن الباري تعالي مرئي، وإن ثبت لهم ذلك فقد استغنَوْا عن ذكر الشاهد والقياس، وانتظمت حجتهم بقولهم: «كل موجود
(1) ... راجع: معجم مقاييس اللغة 5/ 40 (قوس) ، ولسان العرب 8/ 70 (قيس) وقال ابن قدامة في روضة الناظر / 276: فأما إطلاق القياس على المقدمتين اللتين يحصل منهما نتيجة فليس بصحيح؛ لأن القياس يستدعي أمرين يُضاف أحدُهما إلى الآخر ويقدَّر به، فهو اسم إضافي بين شيئين على ما ذكرناه في اللغة. وقال الطوفي في شرح مختصر الروضة 3/ 225: تسمية المنطقيين لهذا قياسًا هو اصطلاح بينهم، والأمر في الاصطلاحيات قريب، على أنه ليس عَرِيًّا عن معنى التقدير والاعتبار، إذ هو اعتبار للنتيجة بالمقدمتين في نظر العقل، وتقدير لها بنظائرها من النتائج في طريق لزومها عن المقدمتين، وغاية ما ثَمَّ أن معنى التقدير في هذا أخفى منه في غيره، لكن ذلك لا يخرجه عن كونه قياسًا لغة أو في معناه. انتهى. وذكر بعض الأصوليين أن القياس في اللغة مأخوذة من الإصابة، يقال: «قستُ الشيء» إذا أصبته، لأن القياس يصيب به الحكم. فانظر: البحر المحيط 5/ 6، وراجع ما نقلته عنه في هامش (1) ص 18.
(2) ... راجع: شفاء الغليل / 19، والمستصفي 2/ 229.
(3) ... العَرَضُ: الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى موضعٍ - أي محلٍّ - يقوم به، كاللون المحتاج في وجوده إلى جسمٍ يحُلُّه ويقوم به. انظر: التعريفات / 64.
(4) ... الجوهر: هو المتحيز بالذات، والمتحيز بالذات هو القابل للإشارة الحسية بالذات بأنه هنا أو هناك، ويقابله العرض. انظر: كشاف اصطلاحات الفنون 1/ 302.
(5) ... راجع: التمهيد للباقلاني / 266، والإرشاد للجويني / 177، وغاية المرام / 159.