فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 191

التقسيم فيكون إثبات كون الوجود مصحِّحًا بالتقسيم لا بالقياس، ثم: إثبات كون الباري بعد ذلك مرئيًّا بالعمومِ لا بالقياس؛ إذ عند ذلك يصحُّ أن كلَّ موجودٍ مرئيٌّ والباري موجودٌ فكان مرئيًّا، والتمسُّك بالعموم لا يسمَّى قياسًا، ولا السبر والتقسيم يسمى قياسًا؛ فإنا إذا قلنا: «العالم إما قديم وإما حادث، وباطلٌ أن يكون قديمًا لكذا وكذا، فلزم أنه حادث» لا يكون قياسًا؛ إذ ليس في هذا إلحاقُ فرعٍ بأصلٍ في حكمٍ بعلَّةٍ، وهو حد القياس [5/أ] ، فلو أطلق مُطلقٌ اسمَ القياس على هذا كان متعسفًا بوضع الاسم في غير موضعه [1] ، وكان مخالفًا للفقهاء والأصوليين في اصطلاحهم، وكان موافقًا للمنطقيين في إطلاقهم اسمَ القياس على هذا وعلى التمسُّك بالعموم أيضًا، ولو جاز هذا لجاز أن يُسمَّى التمسُّكُ بالنصِّ وبأخبار التواتر وسائر أسباب العموم قياسًا، وعند ذلك يرجع الخلاف إلى لفظٍ لا طائلَ له.

ثم نقول: السبر والتقسيم وإن لم يكن قياسًا ففيه نوع دليل إذا وجد شرطه، والغالب أن المتكلمين لا يراعون شروطه، فإن من شرطه أن تكون القسمة منحصرة لا منتشرة، ولا يَرْعي هذا الشرط إلا المحققون منهم، وليس من شرطه أن يكون منحصرًا في اثنين ومقصورًا على النفي والإثبات؛ فإنه إذا قال: «الباري لو كان على العرش لكان إما أكبر منه أو أصغر أو مساويًا، والكلُّ باطل، فالاستقرار على العرش باطل [2] » ، فهذا التقسيم صحيح؛؛ لأنه منحصر وإن بلغ

(1) ... راجع ما سبق في ص 18.

(2) ... هذا إنما يلزم على رأي المشبهة والمجسمة - وقد سبق ذكر مذهبهم في هامش (1) ص 17 - أما مذهب السلف (أهل السنة) فهو إثبات الاستواء له كما يليق به سبحانه وتعالى، من غير تكييف ولا تمثيل، كما قال مالك - لما سئل عن قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) [الأعراف: 54] كيف استوى؟ - قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. فانظر: شرح العقيدة الطحاوية / 251.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية / 22: قائل ذلك - يعني: لو كان على العرش لكان ... الخ - لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأيِّ جسمٍ كان على أيِّ جسمٍ كان، وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم، أما استواء يليق بجلال الله ويختصُّ به فلا يلزمه شيءٌ من اللوازم الباطلة - التي يجب نفيها - كما يلزم سائر الأجسام .. والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مُستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله ويختصُّ به، فكما أنه يوصف بأنه بكل شيءٍ عليمٌ ...

فكذلك هو سبحانه فوق العرش، ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها.

ثم حكي شيخ الإسلام - في ص 30 وما بعدها - أقوال علماء السلف في الاستواء، مالك وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت