ثلاثة أقسام، ولكن هذا الانحصار معلوم علمًا أوَّليًّا.
فأما قولهم: «السماء حادث لأنه مصوَّر قياسًا على البيت» ، ثم تقسيمهم بعد ذلك «أن البيت إما أن يكون حادثًا لكونه موجودًا، أو قائمًا بنفسه، أو جسمًا، أو مصورًا، وباطل أن يكون لكونه موجودًا أو قائمًا أو جسمًا لكذا وكذا، فثبت أنه حادث لكونه مصورًا» - فهذا الجنس من التقسيم في هذه المسألة - وفي مسألة الرؤية [1] - منتشر لا منحصر، فلا يقوم به برهان، والاعتراض عليه من أربعة أوجه [2] :
الأول: أنه لا يسلم انحصار أوصاف البيت في هذه الأربعة [3] ولا في عشرة ولا في ألف، فلا بدَّ من برهانٍ على الحصر، وذلك مما لا يسهل القيام به، ولا تراهم يهمون [4] بتكلُّف دليل الحصر، لكن غايتهم أنهم يقولون: «إن كان له وصفٌ آخر فأثبته» ، وللخصم أن يقول: له وصفٌ آخرُ أعرفه لا أذكره، أو يتصور أن يكون ولكني لا أعرفه ولا أعرف أيضًا انتفاءه، وأنت تحتاج إلى أن تعرف انتفاءه، ولا يكفيك أن لا تعرف ثبوته، فكم من ثابت لا تعرف ثبوته. فيبقى أن يقول: «لو كان لعرفته أنا وأنت، كما لو كان بين أيدينا فيلٌ لرأيناه، فعدم رؤيتنا دليل على انتفائه، فكذلك عدم معرفتنا بوصف وراء هذه الأوصاف دليل على انتفائه» ، وهذا هوس؛ فإنا لم نعهد - قط - فيلًا موجودًا كنا لا نراه ثم رأيناه، وكم من معانٍ [5] موجودة كُنَّا نطلبها فلم نعرفها ثم عثرنا عليها
(1) ... قال الغزالي في المستصفي 1/ 42 - 43: وقول من أثبت رؤية الله بعلة الوجود يكاد لا ينحصر كلامه، إلا أن نتكلف له وجهًا، بأن نقول: «مصحح الرؤية لا يخلو إما أن يكون كونه جوهرًا فيبطل بالعرض، أو كونه عرضًا فيبطل بالجوهر، أو كونه سوادًا أو لونًا فيبطل بالحركة، فلا تبقى شركة لهذه المختلفات إلا في الوجود» ، وهذا غير حاصر؛ إذ يمكن أن يكون قد بقي أمر آخر مشترك لم يعثر عليه الباحث مثل كونه بجهة من الرائي مثلًا، فإن أبطل هذا فلعله لمعنى آخر ... وانظر: محك النظر / 53 - 54، والمنخول / 351.
(2) ... راجع: القسطاس المستقيم / 106.
(3) ... في الأصل: الأربع.
(4) ... في الأصل: يهيمون.
(5) ... في الأصل: معاني.