اسْجُدُوا لِآدَمَ) [البقرة: 34] الآية- فإنه لم يبين هنا هل ذلك الأمر بالسجود وقع أولا بتنجيز أو تعليق، وقد بين في الحجر وص أنه وقع أولا معلقا، قال في الحجر: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (29) [الحجر: 28 - 29] وقال في ص: إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (72) [ص: 71 - 72] . ومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يقع طلب لأمر، ويبين في موضع آخر المقصود من ذلك الأمر المطلوب، ومثاله قوله تعالى في الأنعام: وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ) [الأنعام: 8] الآية- فإنه بين في الفرقان أن مرادهم بالملك المقترح إنزاله أن يكون نذيرا آخر معه صلّى اللّه عليه وسلم، وذلك في قوله تعالى: (وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا(7) [الفرقان: 7] . ومن أنواع البيان التي تضمنها أيضا أن يذكر أمر في موضع، ثم يذكر في موضع آخر شيء يتعلق بذلك الأمر، كأن يذكر له سبب أو مفعول أو ظرف مكان أو ظرف زمان أو متعلق، فمثال ذكر سببه في قوله تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) [البقرة: 74] ، فإنه لم يبين هنا سبب قسوة قلوبهم ولكنه بينه بقوله: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً) [المائدة: 13] وقوله: (فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) [الحديد: 16] .
ومن أمثلة ذكر السبب قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران: 106] فإنه أشار هنا لسبب اسودادها بقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ) [آل عمران: 106] الآية- وقد بينه في مواضع أخر كقوله: (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) [الزمر: 60] ونحوها من الآيات كما سترى إن شاء اللّه تحقيقه في آل عمران.
ومن أمثلة ذكر المفعول الواحد قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى(26) [النازعات: 26] فإنه لم يذكر هنا مفعول يَخْشى (26) ، ولكنه أشار إليه في هود والذاريات وإيضاحه أن الإشارة في قوله هنا: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (26) [النازعات: 26] راجعة إلى ما أصاب فرعون من النكال والعذاب المذكور في قوله: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى(25) [النازعات: 25] .
فإذا عرفت ذلك فاعلم أنه تعالى صرح في سورة هود بأن فيما أصاب فرعون من العذاب آية لمن خاف عذاب الآخرة فصرح بأن الخوف واقع على عذاب الآخرة فهو المفعول، والخوف المذكور في هود هو الخشية المذكورة في النازعات، فقوله في هود: وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) [هود: 97 - 98] - إلى قوله- الْمَرْفُودُ (99) [هود: 99] وقوله بعده: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ) [هود: 103] يدل على أن المفعول المحذوف في النازعات هو عذاب الآخرة