(تَنْبِيهٌ)
اعْلَمْ: أَنْ فِي قَوْلِهِ - جَلَّ وَعَلَا: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) [2/ 106] إِشْكَالًا مِنْ جِهَتَيْنِ:
الْأُولَى: أَنْ يُقَالَ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَثْقَلُ خَيْرًا مِنَ الْأَخَفِّ; لِأَنَّهُ أَكْثَرُ أَجْرًا، أَوِ الْأَخَفُّ خَيْرًا مِنَ الْأَثْقَلِ; لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْهُ، وَأَقْرَبُ إِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى الِامْتِثَالِ. وَكَوْنُ الْأَثْقَلِ خَيْرًا يَقْتَضِي مَنْعَ نَسْخِهِ بِالْأَخَفِّ، كَمَا أَنَّ كَوْنَ الْأَخَفِّ خَيْرًا يَقْتَضِي مَنْعَ نَسْخِهِ بِالْأَثْقَلِ; لِأَنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يَأْتِي بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَنْسُوخِ أَوْ مُمَاثِلٌ لَهُ، لَا مَا هُوَ دُونَهُ. وَقَدْ عَرَفْتَ: أَنَّ الْوَاقِعَ جَوَازُ نَسْخِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ.
الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: مِنْ جِهَتَيِ الْإِشْكَالِ فِي قَوْلِهِ (أَوْ مِثْلِهَا) [2/ 106] ; لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَا الْحِكْمَةُ فِي نَسْخِ الْمِثْلِ لِيُبْدَلَ مِنْهُ مِثْلُهُ؟ وَأَيُّ مَزِيَّةٍ لِلْمِثْلِ عَلَى الْمِثْلِ حَتَّى يُنْسَخَ وَيُبَدَّلَ مِنْهُ؟.
وَالْجَوَابُ عَنِ الْإِشْكَالِ الْأَوَّلِ: هُوَ أَنَّ الْخَيْرِيَّةَ تَارَةً تَكُونُ فِي الْأَثْقَلِ لِكَثْرَةِ الْأَجْرِ، وَذَلِكَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْأَجْرُ كَثِيرًا جِدًّا وَالِامْتِثَالُ غَيْرَ شَدِيدِ الصُّعُوبَةِ، كَنَسْخِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ بِإِيجَابِ الصَّوْمِ; فَإِنَّ فِي الصَّوْمِ أَجْرًا كَثِيرًا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ:"إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ"، وَالصَّائِمُونَ مِنْ خِيَارِ الصَّابِرِينَ; لِأَنَّهُمْ صَبَرُوا لِلَّهِ عَنْ شَهْوَةِ بُطُونِهِمْ وَفُرُوجِهِمْ; وَاللَّهُ يَقُولُ: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [39/ 10] ، وَمَشَقَّةُ الصَّوْمِ عَادِيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا صُعُوبَةٌ شَدِيدَةٌ تَكُونُ مَظِنَّةً لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الِامْتِثَالِ، وَإِنْ عَرَضَ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ; فَالتَّسْهِيلُ بِرُخْصَةِ الْإِفْطَارِ مَنْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [2/ 184] ، وَتَارَةً تَكُونُ الْخَيْرِيَّةُ فِي الْأَخَفِّ، وَذَلِكَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْأَثْقَلُ الْمَنْسُوخُ شَدِيدَ الصُّعُوبَةِ بِحَيْثُ يَعْسُرُ فِيهِ الِامْتِثَالُ; فَإِنَّ الْأَخَفَّ يَكُونُ خَيْرًا مِنْهُ; لِأَنَّ مَظِنَّةَ عَدَمِ الِامْتِثَالِ تُعَرِّضُ الْمُكَلَّفَ لِلْوُقُوعِ فِيمَا