لَبِيدٌ:
كُلُّ بَنِي حُرَّةَ مَصِيرُهُمْ ... قُلْ وَإِنْ أَكْثَرَتْ مِنَ الْعَدَدِ
إِنْ يَغْبِطُوا يَهْبِطُوا وَإِنْ أَمَرُوا ... يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْهَلَكِ وَالنَّكَدِ
قُلْتُ: وَفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: لَقَدْ أَمَرَ أَمْرَ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ لِيَخَافَهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ; أَيْ كَثُرَ، وَكُلُّهَا غَيْرُ مُتَعَدٍّ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ الْكِسَائِيُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمَهْدَوِيُّ: وَمَنْ قَرَأَ أَمَرَ فَهِيَ لُغَةٌ، وَوَجْهُ تَعْدِيَةِ أَمْرٍ أَنَّهُ شَبَّهَهُ بِـ (عَمَرَ) مِنْ حَيْثُ كَانَتِ الْكَثْرَةُ أَقْرَبُ شَيْءٍ إِلَى الْعِمَارَةِ، فَعَدَّى كَمَا عَدَّى عَمَرَ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَقِيلَ أَمَرْنَاهُمْ جَعَلْنَاهُمْ أُمَرَاءَ; لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: أَمِيرٌ غَيْرُ مَأْمُورٍ، أَيْ غَيْرُ مُؤَمِّرٍ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ: بَعَثْنَا مُسْتَكْبَرِيهَا. قَالَ هَارُونُ: وَهِيَ قِرَاءَةُ أُبَيٍّ: بَعَثْنَا أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَحَكَى النَّحَّاسُ: وَقَالَ هَارُونُ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً بَعَثْنَا فِيهَا أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا فَمَكَرُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ. اه مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا بِالطَّاعَةِ فَعَصَوْا أَمْرَنَا، فَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْوَعِيدُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ.