فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 1370

المخالف لنا في هذه المسألة كابن جرير، وابن إسحاق، والسهيلي- رحمهم اللّه- وغيرهم: قد دلت آيات أخر على أن نائب الفاعل ضمير النبى صلّى اللّه عليه وسلم وهي الآيات المصرحة بوقوع القتل على بعض الأنبياء كقوله: (فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ(87) [البقرة: 87] ونحوها من الآيات، وهي تبين أن القتل في محل النزاع واقع على النبي صلّى اللّه عليه وسلم فنقول: يجب تقديم بياننا على بيانكم من ثلاثة أوجه:

الأول: أن الآيات المصرحة بقتل الكفار بعض الرسل التي هي دليل بيانكم، أعم من محل النزاع: لأن النزاع في قتل الرسل في ميدان الحرب خاصة دون غيره، والآيات التي دلت على قتل بعض الرسل ليست واحدة منها في خصوص القتال البتة، والبيان لا يكون بالأعم؛ لأن الدليل على الأعم ليس دليلا على الأخص؛ لإطباق العقلاء كافة على أن وجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص؛ فمطلق قتل الرسول لا يدل على كونه في جهاد، لأنه أعم من كونه في جهاد أو غيره كما هو واضح، بخلاف البيان الذي ذكرنا بقوله: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة: 21] ونحوها، فإنه في محل النزاع؛ لأنه يصرح بأن الرسل غالبون، وهو نص في أن الرسول المقاتل غير مقتول، لأن المقتول غير غالب كما بينه بقوله: (فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ) [النساء: 74] كما تقدم، ومعلوم أنه لا يعارض خاص في محل النزاع بأعم منه.

الوجه الثاني: أن البيان الذي ذكرنا تتفق به آيات القرآن العظيم على أفصح الأساليب العربية ولم يقع بينها تصادم البتة، وما ذكره المخالف يؤدي إلى تناقضها ومصادمة بعضها لبعض، لأن الرسول الذي لم يؤمر بجهاد إذا قتل لم يكن في ذلك إشكال ولا مناقضة لقوله: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي لأنه لم يؤمر بالمغالبة، فلا يصدق عليه أنه مغلوب ولا غالب لعدم وجود المغالبة من أصلها في حقه؛ لأنها إن عدمت من أصلها فلا يقال غالب ولا مغلوب، لأن الغلبة صفة إضافية لا تقوم إلا بين متغالبين، بخلاف قتل الرسول المأمور بالمغالبة في الجهاد، فإنه مناقض لقوله: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، واللّه يقول فيما وعد به رسله: وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ(34) [الأنعام: 34] .

الثالث: أن جميع الآيات الدالة على قتل بعض الرسل المستدل بها على صورة النزاع كلها واردة في قتل الرسل في غير جهاد، كقتل بني إسرائيل أنبياءهم ظلما في غير قتال، وسترى إن شاء اللّه تعالى تحقيق هذا المبحث في آل عمران والصافات والمجادلة، وربما كان في الآية الكريمة أقوال كلها حق وكل واحد منها يشهد له قرآن، فإنا نذكرها ونذكر القرآن الدال عليها من غير تعريض لترجيح بعضها؛ لأن كل واحد منها صحيح، ومثاله قوله تعالى في أول الأنعام: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) [الأنعام: 3] الآية- فإن فيه للعلماء ثلاثة أقوال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت